عام

دفعت 500 جنيه

فاكرة إنك محتاج حد يقف جنبك.
خفض سليم عينيه.
وده أكتر شيء خلاني أندم إني اختبرتك بالطريقة دي.
ساد الصمت.
ثم قال
بس لسه في حاجة أهم ما تعرفيهاش.
رفعت ملك عينيها إليه.
إيه؟
أخرج سليم ملفًا قديمًا من الخزنة.
وضعه أمامها.
فتحته ملك…
وفجأة تغيّر لون وجهها.
كان الملف يحتوي على أوراق تثبت أن ديون والدها لم تكن خمسين مليون جنيه كما أخبرها.
بل كان هناك شخص آخر هو الذي صنع الدين من الأساس.
رفعت رأسها بسرعة
مين عمل كده؟
نظر إليها سليم وقال
الشخص اللي طلب من أبوكي يراهن… والشخص اللي كان عايز يجوزك ليا.
توقفت أنفاس ملك.
يعني… جوازي منك كان مخطط له؟
قال سليم
من البداية.
ثم دفع إليها صورة قديمة.
نظرت ملك إلى الصورة…
وعندما رأت الشخص الواقف بجوار والدها، سقطت الصورة من يدها.
لأنها كانت تعرفه جيدًا.
كان أقرب شخص إليها طوال السنوات الماضية رفعت ملك الصورة مرة أخرى، وراحت تحدق فيها كأنها تحاول إقناع نفسها بأن عينيها تخدعانها.
ثم همست
مستحيل…
اقترب منها سليم.
إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
ده… عمي فؤاد.
ساد الصمت.
كان فؤاد شقيق والدتها، والرجل الذي لطالما وقف بجانب الأسرة في أصعب أوقاتها.
كان هو الشخص الذي ساعد والدها في بداية أزمته، وهو نفسه الذي كان يأتي إلى المنزل كل أسبوع تقريبًا.
قال سليم
فؤاد هو اللي عرّف أبوكي على المقامرة.
شهقت ملك.
إيه؟
هو اللي أقنعه يدخل أول رهان. ولما خسر، أقرضه فلوس بفوائد ضخمة. وكل مرة كان أبوكي يغرق أكتر، كان فؤاد بيقوله المرّة الجاية هتكسب.
جلست ملك على الكرسي.
بس ليه يعمل كده؟
أجاب سليم
عشان يوصل لثروتي.
رفعت عينيها إليه.
إيه علاقة ده بيك؟
أخرج سليم ورقة أخرى.
من عشر سنين، كان أبوكي شريكًا في شركة صغيرة. الشركة دي كانت تملك قطعة أرض كبيرة جدًا في القاهرة. فؤاد كان عايز يستولي عليها، لكن أبوكي رفض يبيع نصيبه.
توقفت ملك عن التنفس للحظة.
وبعدين؟
بدأ فؤاد يدمره ماليًا.
قلب سليم الورقة أمامها.
لحد ما بقى أبوكي مدين له بالمبلغ اللي إنتِ كنتِ فاكرة إنه مدين لي.
حدقت ملك في الورقة.
يعني الخمسين مليون…
جزء كبير منها ديون مصطنعة.
ثم قال سليم
لكن فؤاد ماكانش يعرف إن أبوكي قبل ما يغرق تمامًا، طلب مني المساعدة.
إنت كنت تعرف أبويا؟
ابتسم سليم بحزن.
كنت أعرفه من قبل ما تتجوزيني بسنين.
سكت لحظة، ثم أضاف
وكان بينا اتفاق.
اتفاق إيه؟
أخرج سليم عقدًا قديمًا.
إنقاذه من فؤاد مقابل أن يسلّمني إدارة الشركة والأرض مؤقتًا، لحد ما يسدد اللي عليه.
نظرت ملك إليه بدهشة.
طب ليه ما قلتليش من الأول؟
خفض سليم عينيه.
لأن أبوكي طلب مني ما أقولش.
ثم أضاف
وكان عنده سبب.
إيه هو؟
نظر سليم إلى الباب المغلق.
كان خايف إن فؤاد يؤذيك.
تجمدت ملك.
وفجأة تذكرت كل شيء.
المكالمات التي كان عمها يصر على إجرائها معها.
الأسئلة الكثيرة عن حياتها.
وإصراره الغريب على معرفة تفاصيل زواجها.
قالت
يعني عمي كان عايز يخلص مني كمان؟
مش بالضرورة.
ثم نظر إليها سليم بجدية.
لكن كان عايز يستغل زواجك عشان يوصل لي.
وقفت ملك.
إزاي؟
قال سليم
لأن فؤاد كان فاكر إني رجل ضعيف، محبوس في كرسي متحرك، ومش قادر أواجهه.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
ماكانش يعرف إني كنت مستنيه يغلط.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغيّر وجهه.
ناول الهاتف لملك.
كانت هناك رسالة واحدة
لو عايز بنت أختي تفضل عايشة، ابعد عن الشركة وسلم كل المستندات.
شهقت ملك
عمي!
أخذ سليم الهاتف منها بهدوء.
ثم قال
دلوقتي فهمت ليه استعجل.
هنعمل إيه؟
اقترب سليم منها.
هنخليه يعتقد إنه كسب.
وبعدين؟
ابتسم سليم لأول مرة بثقة.
هنخليه يكتشف إن أكبر غلطة ارتكبها… كانت إنه لمس الشخص الوحيد اللي أقسمت أحميه.
لكن ملك لم تكن تعرف أن الرسالة لم تكن أخطر ما في الأمر.
فبعد دقائق، وصل تسجيل صوتي إلى هاتفها.
ضغطت عليه.
وسمعت صوت والدها.
وكان يقول
ملك… لو وصل لك التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أخبي الحقيقة أكتر من كده.
تجمدت في مكانها.
ثم جاء صوته مرتجفًا
سليم مش هو اللي أخد فلوسنا…
صمت لثوانٍ.
ثم قال
أنا اللي طلبت منه يتجوزك.
اتسعت عينا ملك.
وسقط الهاتف من يدها.
لأنها أدركت أن والدها كان يخفي عنها سرًا أكبر بكثير من ديون الخمسين مليون جنيه ظلت ملك تحدق في الهاتف، وكأنها تنتظر أن يعود صوت أبيها من التسجيل ويقول لها إن كل ما سمعته مجرد كذبة.
لكن التسجيل انتهى.
رفعت عينيها إلى سليم.
أبويا قال إنه هو اللي طلب منك تتجوزني…
لم يجب سليم.
ليه؟
تنهد طويلًا، ثم جلس على الكرسي.
لأن أبوكي كان عارف إنه مش هيقدر يحميك.
اقتربت منه ملك.
يحمني من مين؟
نظر إليها مباشرة.
من فؤاد.
سكتت.
فقال
قبل جوازنا بأسبوع، أبوكي جه لي بالليل. كان منهارًا، ومش معاه غير ملف واحد.
ملف إيه؟
ملف فيه كل معاملات فؤاد السرية.
ثم أضاف
كان فيه تحويلات، عقود مزورة، وأسماء ناس استخدمهم عشان يسيطر على شركات وعقارات.
وضعت ملك يدها على فمها.
وأبويا عرف كل ده؟
أيوه.
وكان فؤاد عارف إنه عرف؟
هز سليم رأسه.
للأسف.
ثم فتح درجًا وأخرج ظرفًا بنيًا.
أبوكي قال لي وقتها لو حصل لي حاجة، احمي بنتي. حتى لو اضطررت تتجوزها.
تراجعت ملك خطوة.
يعني جوازنا كان عشان تحميني؟
في البداية… أيوه.
سألته بصوت منخفض
وفي البداية بس؟
صمت سليم.
فهمت ملك الإجابة من عينيه.
قالت
إمتى اتغيرت؟
رفع عينيه إليها.
من أول يوم شفتك فيه وإنتِ بتمسحي العرق من على وشي قدام الناس.
ارتجف صوتها
سليم…
وقتها كنتِ الوحيدة اللي ما بصتش لي كأني وحش.
ثم ابتسم بحزن.
بس أنا غلطت لما اختبرتك. وكنت عارف إنك هتتوجعي لما تعرفي الحقيقة.
وقبل أن تجيبه، سُمع صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
التفت الاثنان.
ثم انطفأت أنوار الفيلا كلها.
قال سليم فورًا
متتحركيش.
أمسك هاتفه، لكنه لم يجد شبكة.
وفي اللحظة نفسها، سُمع صوت أحد الحراس يصرخ من أسفل
يا حاج سليم!
ثم جاء صوت ارتطام آخر.
اقتربت ملك من النافذة.
رأت سيارات سوداء تقف أمام بوابة الفيلا.
قالت بخوف
في ناس دخلت!
وقف سليم.
هذه المرة لم يستند إلى الكرسي.
مشى بثبات نحو الخزانة، وأخرج منها مفتاحًا صغيرًا.
نظر إلى ملك وقال
دلوقتي هتعرفي ليه كنت بعمل كل ده.
فتح بابًا مخفيًا خلف الخزانة.
ظهر ممر ضيق يؤدي إلى مكان آخر.
ادخلي.
وأنت؟
هخلص الموضوع وأجيلك.
هزت ملك رأسها بعناد.
مش هسيبك لوحدك.
نظر إليها للحظة، ثم قال
ملك، دي مش لعبة.
وأنا مش هسيب جوزي يواجههم لوحده.
تغيرت ملامح سليم.
ولأول مرة، ظهرت في عينيه مشاعر لم يستطع إخفاءها.
أمسك يدها.
خلاص… خليكي جنبي.
وبينما كانا يخرجان من الممر، رن هاتف ملك فجأة.
ظهرت رسالة جديدة من رقم مجهول
لو خرجتي من الفيلا مع سليم، أبوكي مش هيشوف الصبح.
توقفت ملك في مكانها.
ثم وصلتها صورة.
كان والدها جالسًا على كرسي، ويداه مقيدتان.
شهقت
بابا!
أخذ سليم الهاتف منها.
نظر إلى الصورة لثوانٍ.
ثم قال بهدوء مخيف
دلوقتي عرفت هو عايز إيه.
سألته ملك
إيه؟
رفع عينيه إليها.
مش الشركة.
أمال إيه؟
أجاب
عايزني أنا.
ثم أضاف
وفؤاد مش اللي ماسك أبوكي.
تجمدت ملك.
مين إذن؟
نظر سليم إلى الصورة مرة أخرى.
الشخص اللي واقف ورا أبوكي…
اقتربت ملك من الهاتف.
وعندما ركزت في الخلفية، ظهر جزء من وجه الرجل.
وضعت يدها على فمها.
مستحيل…
قال سليم
أيوه.
كان الرجل الذي يقف خلف والدها…
هو نفس الرجل الذي كان يحرس ملك منذ يوم زفافها حدقت ملك في الصورة، ثم رفعت عينيها إلى سليم.
الحارس اللي كان معايا طول السنة؟
أومأ سليم.
اسمه حازم. وكان المفروض يحميكي مني ومن أي حد يحاول يقرب منك.
بس إزاي؟
لأنه كان بيشتغل معايا من سنين.
تجمدت ملامح ملك.
يعني هو خانك؟
أيوه.
وفي اللحظة نفسها، جاء صوت من الممر
الحاج سليم!
كان صوت حازم.
ثم تابع
لازم نتكلم.
أشار سليم لملك أن تختبئ خلف الباب.
فتح الباب قليلًا.
ظهر حازم أمامه، وملامحه كانت هادئة بشكل غريب.
قال
اللي برا مش هيأذوا حد لو سلمت نفسك.
ابتسم سليم بسخرية.
وأبو ملك؟
هيخرج بعدها.
صرخت ملك من الداخل
كداب!
التفت حازم ناحية الصوت.
وفي لحظة، أمسك سليم بذراعه وأبعده عن الباب.
لكن حازم أخرج هاتفه بسرعة، وشغّل تسجيلًا.
جاء صوت فؤاد
خد سليم للبيت القديم. البنت مش مهمة دلوقتي.
اتسعت عينا ملك.
كان واضحًا أن فؤاد لم يعد يحتاج إليها.
همس سليم
أبوكي كان مجرد ورقة ضغط.
ثم نظر إلى حازم
وفؤاد ناوي يتخلص منك أنت كمان.
ضحك حازم.
مش هيقدر.
قال سليم
هو قالها بنفسه في التسجيل.
ثم شغّل مقطعًا آخر.
ظهر صوت فؤاد
بعد ما يسلّمني الملفات، خلّص على حازم. محدش يعرف إنه كان شغال معايا.
تغير وجه حازم.
ده… مستحيل.
قال سليم
أهو التسجيل.
جلس حازم على أقرب كرسي، وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
اقتربت ملك منه.
أنت كنت بتراقبني طول السنة؟
خفض رأسه.
أيوه.
وكنت بتبعت لفؤاد أخباري؟
لم يجب.
وكان صمته كافيًا.
تراجعت ملك عنه باشمئزاز.
ثم قالت
أنا كنت فاكرة إن كل الناس اللي حواليا بتحميني.
رفع حازم رأسه.
أنا غلطت… بس في حاجة واحدة لازم تعرفيها.
إيه؟
أبوك مش في المكان اللي فؤاد قال عليه.
رفع سليم عينيه بسرعة.
فين؟
أجاب حازم
في مخزن قديم تابع لشركة فؤاد… لكن فؤاد نفسه مش موجود هناك.
فين هو؟
صمت حازم لحظات.
ثم قال
رايح يقابل شخص أهم منك ومني ومن ملك.
سأله سليم
مين؟
نظر حازم إلى ملك.
والدتها.
تجمدت ملك.
أمي؟
كانت والدتها قد توفيت منذ سنوات.
أو هكذا كانت ملك تعتقد.
إنت بتقول إيه؟ أمي ماتت من سبع سنين!
قال حازم
الخبر اللي وصلكم وقتها كان كذبة.
شعرت ملك أن الأرض تهتز تحت قدميها.
يعني أمي عايشة؟
أومأ.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
كانت الصورة لامرأة تجلس في غرفة مظلمة.
رفعت ملك الصورة بيد مرتجفة.
عرفت وجهها فورًا.
ماما…
قال سليم
لو الصورة دي حقيقية، يبقى كل اللي حصل من البداية كان جزءًا من خطة أكبر.
وفي تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف ملك.
رسالة واحدة فقط
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن موت أمك… تعالي وحدك إلى العنوان المرفق.
نظرت ملك إلى سليم.
ثم إلى الرسالة.
لكنها لم تكن تعرف أن الشخص الذي أرسل الرسالة…
كان ينتظرها منذ سبع سنوات

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى