
حدقت ملك في الرسالة طويلًا.
كان العنوان لمكان تعرفه جيدًا.
بيت قديم في منطقة شعبية، كانت تزوره مع والدتها وهي طفلة.
همست
المكان ده…
سألها سليم
تعرفيه؟
ده بيت خالتي القديم. بس اتقفل من بعد وفاة ماما.
أخذ سليم الهاتف منها.
مش هتروحي لوحدك.
اعترضت فورًا
الرسالة قالت لوحدي.
وده بالضبط سبب إني مش هسيبك تروحي وحدك.
نظرت إليه.
بس لو ماما عايشة فعلًا…
هنجيبها.
قالها بثقة جعلتها تصمت.
وبعد نصف ساعة، تحركت سيارة سليم في شوارع القاهرة المزدحمة.
كان سليم يقود بنفسه.
نظرت ملك إليه باستغراب.
إنت بتعرف تسوق؟
ابتسم.
بعرف حاجات كتير إنتِ لسه ما اكتشفتيهاش.
رغم خوفها، ابتسمت للمرة الأولى.
لكن بمجرد وصولهما إلى البيت القديم، اختفت ابتسامتها.
كان الباب مفتوحًا.
والغبار يغطي المكان.
دخل سليم أولًا.
خليكي ورايا.
مرا المكان غرفة وراء غرفة.
لا أحد.
حتى وصلا إلى غرفة صغيرة في آخر المنزل.
كانت هناك صورة قديمة لملك وهي طفلة، موضوعة فوق الطاولة.
وبجوارها ورقة.
أخذتها ملك.
كان مكتوبًا فيها
كنتِ في الخامسة عندما أخبروك أن أمك ماتت. لكن الحقيقة أنكِ لم تعرفي حتى الآن لماذا اختفت.
ارتجفت يدها.
ثم ظهر صوت امرأة من خلفها
لأن أمك ما اختفتش… أمك اتخطفت.
استدارت ملك بسرعة.
وتجمدت.
امرأة ترتدي عباءة سوداء كانت تقف عند الباب.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها مليئتين بالدموع.
قالت بصوت مرتجف
ملك…
لم تستطع ملك الكلام.
اقتربت المرأة خطوة.
أنا آسفة يا بنتي.
سقطت الورقة من يد ملك.
ماما؟
أومأت المرأة.
وانهارت ملك في مكانها.
ركضت نحوها واحتضنتها بقوة.
لكن سليم لم يتحرك.
كان ينظر إلى المرأة بحذر.
وبعد لحظات، أبعدت المرأة ملك عنها وقالت
اسمعيني كويس. مفيش وقت.
إنتِ عايشة كل السنين دي؟
أيوه.
ليه سبتيني؟
انهمرت دموع المرأة.
لأني لو رجعت لك، كانوا هيقتلوك.
سأل سليم
مين؟
نظرت المرأة إليه.
فؤاد.
ثم أضافت
بس فؤاد مش هو العقل المدبر.
ساد الصمت.
قال سليم
مين إذن؟
نظرت المرأة إلى ملك.
أبوك.
شهقت ملك.
بابا؟!
أومأت أمها.
أبوك كان شريكهم في البداية.
تراجع سليم خطوة.
مستحيل.
قالت
هو اللي ساعد فؤاد في تزوير العقود. وهو اللي سلّمني لهم لما حاولت أفضحهم.
وضعت ملك يدها على رأسها.
يعني بابا كان عارف كل حاجة؟
أكتر مما تتخيلي.
ثم أخرجت الأم ظرفًا قديمًا.
وده السبب الحقيقي اللي خلى أبوكي يطلب من سليم يتجوزك.
فتحت ملك الظرف.
كان بداخله عقد واحد.
قرأت السطر الأول…
ثم شهقت.
كان العقد يثبت أن كل ثروة سليم ستنتقل إلى ملك في حال وفاته، بشرط أن تكون زوجته وقت الوفاة.
رفعت ملك عينيها إلى سليم.
يعني… أبويا ماكانش بيحاول يحميني بس.
لم يجب.
فقالت أمها
كان بيحاول يخلي ثروة سليم تحت سيطرته من خلالك.
وفجأة…
انفجر صوت رصاصة في الخارج.
ثم رصاصة ثانية.
أمسك سليم بيد ملك فورًا.
وقال
إحنا لازم نخرج من هنا حالًا.
لكن أمها هزت رأسها.
فات الأوان.
ومن خلف الباب، جاء صوت فؤاد
ولا واحد فيكم هيخرج من البيت ده تراجعت ملك خطوة، بينما وقف سليم أمامها مباشرة.
صاح فؤاد من خلف الباب
سليم! سلّم نفسك والملفات، والموضوع هينتهي من غير دم.
ضحك سليم بهدوء.
إنت لسه مصدق إني جيت هنا من غير خطة؟
ساد صمت قصير.
ثم سمعوا صوت فؤاد
إنت محاصر.
رد سليم
لأ… إنت اللي محاصر.
فجأة انفتح باب الغرفة بعنف، وظهر فؤاد ومعه رجلان.
لكن قبل أن يقتربوا، أضاءت شاشة صغيرة كانت مخفية داخل الحائط.
ظهر عليها تسجيل مباشر.
وكان واضحًا أن كل كلامهم منذ دخولهم البيت يتم تسجيله.
تغير وجه فؤاد.
قال سليم
أنت بنفسك اعترفت قدام الكاميرات إنك خطفت والدة ملك، وإنك خططت للاستيلاء على أموالي.
صرخ فؤاد
التسجيل ده مش هيثبت حاجة!
ابتسم سليم.
هيثبت أكتر مما تتخيل.
ثم رفع هاتفه.
الشرطة في الطريق.
تجمد الرجلان الواقِفان بجوار فؤاد.
التفتا إليه.
إنت قلت إن مفيش شرطة!
صاح فؤاد
اسكت!
لكن الوقت كان قد انتهى.
بدأت أصوات سيارات تقترب من الخارج.
حاول فؤاد الهرب، إلا أن حازم ظهر من الممر وأمسك به.
صرخ فؤاد
إنت؟!
قال حازم
كنت فاكرني هسيبك تقتلني؟
وبعد دقائق، امتلأ المكان برجال الشرطة.
اقتيد فؤاد خارج المنزل، بينما بقيت ملك بجوار والدتها.
كانت تبكي وهي تمسك يدها.
ليه ما رجعتيليش؟
أجابتها أمها
كل يوم كنت بدعي أشوفك تاني.
اقترب سليم منهما.
قالت الأم
أنا مدينة لك بحياة بنتي.
رد سليم
أنا اللي مدين لها.
نظرت ملك إليه.
إنت؟
ابتسم.
هي اللي علمتني إن الإنسان مش بيتقاس بشكله.
ثم أضاف
وأنا كنت فاكر إن لازم أخبي نفسي عشان أعرف مين بيحبني بجد.
اقتربت منه ملك.
وأنا ما حبيتش الراجل اللي تحت القناع.
توقف سليم.
فقالت بابتسامة
أنا حبيت الراجل اللي كان بيحاول يحميني حتى وأنا فاكرة إنه مجرد رجل قاسي.
ابتسم سليم.
لكن قبل أن يرد، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه.
قالت ملك
في إيه؟
ناولها الهاتف.
كانت هناك رسالة من رقم مجهول
فؤاد مش الرأس الحقيقي… ولو عايزين تعرفوا مين كان بيمول كل ده، دوروا في حسابات والد ملك.
رفعت ملك عينيها إلى والدتها.
ثم إلى سليم.
قالت أمها بصوت مرتجف
لا…
سألها سليم
إنتِ تعرفي مين؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت
أيوه.
مين؟
فتحت عينيها وقالت
الشخص اللي كان بيحرك أبوكي وفؤاد من البداية…
وتوقفت.
ثم نظرت إلى ملك.
هو جدك.
تجمدت ملك في مكانها.
لأن جدها كان قد مات قبل ولادتها بعام.
أو هكذا كانت الأسرة تعتقد سقط الصمت على الغرفة.
قالت ملك بصوت مرتجف
جدي مات قبل ما أتولد بسنة!
ردت أمها
وده اللي كانوا عايزينك تصدقيه.
اقترب سليم منها.
يعني جدها عايش؟
هزت الأم رأسها.
أنا ما شفتوش بعيني من سبع سنين، لكن قبل اختفائي بأيام عرفت إنه هو اللي كان بيحرك كل حاجة من بعيد.
سألت ملك
طب إنتِ عرفتي إزاي؟
أخرجت أمها دفترًا صغيرًا من حقيبتها.
لقيت ده في مكتب أبوكي.
فتحت ملك الدفتر.
كان مليئًا بأرقام وحسابات وأسماء مستعارة.
لكن اسمًا واحدًا تكرر في كل الصفحات
العميد.
قال سليم
ده مش اسم شخص.
ردت الأم
عارفة.
ده لقب.
أومأت.
والشخص الوحيد اللي كان أبوكي بيناديه باللقب ده… هو والدك.
شهقت ملك.
يعني جدي هو العميد؟
أيوه.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم.
رقم مجهول.
فتح المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل عجوز هادئ
أخيرًا عرفتوا.
تجمدت ملك.
لم تكن تعرف الصوت، لكن أمها عرفته فورًا.
قالت بصوت مرتجف
إنت…
ضحك الرجل.
وحشتيني يا نادية.
ارتجفت يد ملك.
مين ده؟
لم يجبها.
قال لسليم
وأنت يا سليم… كنت أذكى مما توقعت.
رد سليم
إنت غلطت لما قربت من ملك.
ملك؟
ضحك الرجل.
ملك كانت أهم قطعة في اللعبة من البداية.
صرخت ملك
أنا مش لعبة!
جاء الرد ببرود
أنتِ الوريثة.
سليم عقد حاجبيه.
وريثة إيه؟
صمت الرجل لحظة.
ثم قال
وريثة الشركة اللي أسستها عيلتك قبل ثلاثين سنة.
نظرت ملك إلى أمها بدهشة.
ماما؟
خفضت الأم عينيها.
قال الرجل
أبوك أخفى الحقيقة، وفؤاد حاول سرقتها، وأنا استنيت الوقت المناسب.
ثم تابع
لكن سليم قلب الخطة كلها لما وقع في حبك.
ساد الصمت.
ملك نظرت إلى سليم.
أما هو فقال
إنت عايز إيه؟
ضحك الرجل.
مش عايز فلوس.
أمال؟
عايز ملك تيجي لي بمحض إرادتها.
ثم أغلق الخط.
في اللحظة نفسها، وصل إلى هاتف ملك مقطع فيديو.
فتحته.
ظهر فيه والدها، جالسًا في غرفة مظلمة.
كان حيًا.
رفع رأسه نحو الكاميرا وقال
ملك… لو بتشوفي الفيديو ده، اسمعيني كويس.
توقف لحظة.
ثم قال
ما تثقيش في أمك.
شهقت ملك.
ونظرت إلى والدتها.
لكن والدتها كانت تبكي.
قال الأب
هي مش الضحية اللي فاكرينها…
وانقطع الفيديو.
وقفت ملك في مكانها عاجزة عن الكلام.
ثم التفتت ببطء إلى أمها.
ماما…
لكن قبل أن تكمل، سُمع صوت طرقات قوية على باب البيت.
ثم جاء صوت من الخارج
ملك! افتحي!
كان صوت أبيها.
لكن والدها كان ما زال محتجزًا.
نظر سليم إلى الباب.
ثم إلى ملك.
وقال
إحنا قدام احتمال واحد بس…
إيه؟
إن الشخص اللي برا هو اللي كان بيحرك كل الخيوط من البداية تجمدت ملك أمام الباب.
كان الصوت يتكرر
ملك! افتحي يا بنتي!
كان صوت والدها بوضوح.
اقتربت من الباب، لكن سليم أمسك بذراعها.
استني.
قالت وهي تبكي
ده بابا!
إحنا شوفناه في الفيديو وهو محتجز.
ثم نظر إلى أمها.
مين يعرف المكان ده غيرنا؟
قالت نادية
محدش.
طرق الرجل الباب مرة أخرى.
ملك، أنا أبوكي!
أخرج سليم هاتفه، واتصل بالرقم الذي ظهر في رسالة الخاطف.
جاء صوت الرجل العجوز
ما تفتحوش الباب.
صمت سليم.
ثم قال
إنت اللي برا؟
ضحك الرجل.
لأ.
سأله سليم
أمال مين؟
اسأل أم ملك.
التفت الجميع إلى نادية.
كانت واقفة في مكانها، ووجهها شاحب.
قالت ملك
ماما… إيه اللي بيحصل؟
لم تجب.
فجأة سُمع صوت تحطم الزجاج.
دخل رجل من النافذة، لكن حازم تصدى له.
وفي الفوضى، اقتربت نادية من ملك وهمست
سامحيني.
اتسعت عينا ملك.
على إيه؟
أمسكت نادية يدها وسحبتها نحو باب خلفي.
لو فضلتي هنا، هيموتوكي.
لكن سليم ظهر أمامهما.
مش هتاخديها في حتة.
قالت نادية
إنت مش فاهم!
فاهم أكتر مما تتخيلي.
أخرج سليم ورقة من جيبه.
لقيت دي في مكتب فؤاد.
ناولها لملك.
كانت عبارة عن عقد قديم يحمل توقيع والدتها.
قرأت ملك أول سطر، ثم تغير وجهها.
ده… عقد بيع؟
أومأ سليم.
أمك باعت حصتها في الشركة قبل اختفائها.
نظرت ملك إلى أمها.
ليه؟
قالت نادية والدموع في عينيها
عشان أنقذك.
تنقذيني من مين؟
من جدك.
ثم اقتربت منها.
جدك كان عايز يستخدم الشركة عشان يعمل صفقات خطيرة، ولما رفضت، هددني بيكي.
طب ليه أبويا قال ما تثقيش فيكي؟
سكتت نادية.
ثم قالت
لأن أبوكي كان فاكر إني مت.
ملك لم تفهم.
قال سليم
هو ماكانش يعرف إن أمك عايشة.
نظرت نادية إلى ملك.
وأنا اللي طلبت من سليم يتجوزك بعد ما عرفت إن أبوكي دخل في ديون.
رفعت ملك رأسها بسرعة.
إنتِ؟!
أيوه.
يبقى جوازي من سليم كان مخطط له منكم كلكم؟
قالت نادية
كان لازم أحطك في مكان محدش يقدر يوصل لك فيه.
ثم أضافت
وسليم كان الشخص الوحيد اللي أثق فيه.
نظر سليم إليها.
بس في حاجة لسه ما قلتيهاش.
خفضت نادية رأسها.
أيوه.
قالت ملك
إيه؟
أخرجت نادية مفتاحًا صغيرًا من سلسلة حول رقبتها.
جدك ما ماتش.
توقفت ملك.
إنتِ شوفتيه؟
من شهرين.
فين؟
نظرت نادية إلى سليم.
في نفس المكان اللي بيحتجز فيه أبوكي.
فهم سليم فورًا.
المخزن القديم.
أومأت.
ثم قالت
لكن المشكلة إن الشخص اللي شفناه هناك…
ترددت.
كان شخصًا يشبه جدك فقط.
سأل سليم
يعني؟
قالت نادية
جدك الحقيقي مات من سنين.
شهقت ملك.
أمال مين ده؟
رفعت نادية عينيها إليها.
شخص كان قريب من عيلتنا جدًا…
وفجأة، انفتح الباب الرئيسي.
دخل الرجل الذي كان صوته يشبه صوت والد ملك.
لكن عندما رفع وجهه تحت ضوء المصباح، صرخت ملك



