روايات وقصص

قولت لجوزي

أخويا؟
هز عمر رأسه. سكتت الدنيا كلها. ثم قلت:

وإنت كنت ناوي تبيع البيت لأخو نادية من ورايا؟

كنت بحاول أخرج من الصفقة قبل ما نخسر كل حاجة.

فخسرت ثقتي فيك بدلًا منها.

لم يرد. أخذت الملف وقلت:

أنا هخرج من البيت.
عمر انتفض:

استني!

مش هخرج لهدف سيء، بصلت له مباشرة: هخرج عشان أروح للمحامي.
ثم التفتُّ لنادية:

وإنتِ… خدي هدومك وكل حاجتك.
هزت رأسها فورًا:

حاضر.

وأنا نازلة السلم، سمعت عمر بيقول:

لو مشيتي دلوقتي، كل حاجة ممكن تضيع.
وقفت على آخر درجة، ثم التفتُّ له:

الحاجة الوحيدة اللي ضاعت فعلًا… هي ثقتي فيك.
وخرجت.

الجزء الثالث: الحقيقة وراء المفتاح
في صباح اليوم التالي، كنت في مكتب المحامي. حطيت قدامه كل الورق. قرأه بهدوء، ثم قال:

مين اللي وقع على المستندات دي؟
قلت:

زوجي.

وإنتِ وقعتي؟

لا.

ابتسم ابتسامة بسيطة:

إذًا نصيبك في البيت لم ينتقل.
تنفست لأول مرة براحة، لكنني سألته:

طب هو يقدر يبيع البيت من غيري؟
هز رأسه:

حسب المستندات اللي قدامي، لا.
ثم أضاف:

لكن فيه مشكلة تانية.

إيه؟

فيه محاولة لتسجيل مطالبة على العقار باسم شركة مرتبطة بفؤاد السالمي.

اتسعت عيناي:

يعني عمر كان بيقول الحقيقة؟

جزئيًا.

يعني إيه؟
قلب الورقة:

فيه مطالبة فعلًا، لكن عمر كان عنده خيارات قانونية تانية. كان يقدر يواجهها، أو يطلب تسوية، أو حتى يوقف الصفقة.
سألته:

طب ليه اختار إنه يخبي عني؟

دي حاجة لازم تسأليه هو.

خرجت من المكتب وأنا شايلة ملفي. وأول شخص اتصلت به كان عمر. رد من أول رنة:

إنتِ فين؟

عند المحامي.
سكت.

عرفت كل حاجة.
صوته انخفض:

طيب.

ليه ما قلتليش؟

كنت خايف.

من إيه؟
قال بعد صمت:

إني أخسرك.

ضحكت بحزن:

والطريقة اللي اخترتها عشان ما تخسرنيش كانت إنك تخبي عني الحقيقة؟

كنت فاكر إني لو حليت المشكلة الأول، مش هخوفك.

لكنك خوفتني أكتر.

سكت طويلًا، ثم قال:

ممكن تيجي البيت؟

رجعت، ووجدته جالسًا في غرفة المعيشة، ونادية كانت موجودة أيضًا. لكن هذه المرة، لم تكن تحمل كراتين، بل كانت تحمل ملفًا. قالت:

قبل ما تتكلمي، أنا لازم أقول لك حاجة.

جلست وفتحت الملف. قالت:

أخويا فؤاد هو اللي طلب من عمر يبيع له البيت.
نظرت لها:

ليه؟

لأن الشركة اللي باعت البيت كانت مدينة له بفلوس، وهو حاول يستخدم المطالبة القديمة عشان ياخد العقار بدل فلوسه.

عمر قال:

وأنا غلطت لما حاولت أحلها لوحدي.
نادية هزت رأسها:

بس فيه حاجة ما قلتهاش لكم.

إيه؟
طلعت ظرفًا قديمًا:

قبل ما تتجوزوا، فؤاد كان بيحاول يمنع بيع البيت ليكم.

تجمد عمر:

إنتِ كنتِ عارفة؟

عرفت من شهرين، وقالت وهي تبكي: وكنت خايفة أقول لكم.
نظرت إليها:

وعشان كده دخلتي بيتي؟
هزت رأسها:

لا.
سكتت، ثم قالت:

أنا دخلت البيت لأن عمر قال لي إنك عارفة كل حاجة.

بصيت لعمر. هو لم يحاول الدفاع عن نفسه، قال فقط:

أنا آسف.
كانت الكلمة بسيطة، لكنها كانت أول مرة أشعر أنه فعلًا فهم حجم اللي عمله. قلت:

الاعتذار مش كفاية.
هز رأسه:

عارف.

أنا مش هقبل إن أي حد يدخل بيتنا بمفتاح من غير إذني.

موافق.

ومش هقبل إنك تخبي عني أي ورقة تخصني.

موافق.

وأي قرار يخص البيت أو فلوسنا يتاخد قدامي.

موافق.

نادية قامت ومدت لي مفتاحًا:

ده مفتاح البيت.
بصيت له، فقالت:

أنا مش هحتفظ بيه. وأنا آسفة إني دخلت بيتك من غير إذنك.
نظرت لها، وكان واضحًا أنها لأول مرة تفهم إن المساعدة مش معناها التدخل في حياة الغير. قلت:

وأنا قبلت اعتذارك.

تنفست براحة ثم خرجت. وبقيت أنا وعمر وحدنا. سكتنا فترة طويلة، ثم قال:

هل لسه في فرصة؟

لم أجاوبه فورًا. بصيت ناحية النافذة؛ البيت كان هادي، نفس البيت اللي دخلته وأنا فاكرة إنه بداية حياتنا. والآن، كنت واقفة فيه وأنا عارفة إن البداية الحقيقية لازم تكون من جديد. قلت:

فرصة موجودة.
رفع عينه لي:

بس مش زي الأول.

عارف. الثقة هتتبني من الأول.
هز رأسه:

وأنا مستعد.

بعد أسبوعين، انتهت المشكلة القانونية. المحامي قدر يثبت إن مطالبة فؤاد لا تعطيه حقًا في ملكية البيت، وتم إغلاق الملف بعد تسوية النزاع بعيدًا عن منزلنا.

أما عمر، فعمل حاجة لم أتوقعها؛ نقل كل المستندات الأصلية إلى خزنة مشتركة، وكتب أمامي تفويضًا واضحًا بأن أي تصرف في البيت يحتاج موافقتنا نحن الاثنين، ثم ألغى المفتاح القديم تمامًا.

وفي مساء يوم الجمعة، كنا بنرتب غرفة النوم، فوجدت كرتونة صغيرة في آخر الدولاب. فتحتها لقيت فيها جاكيت نادية البيج. ضحكت. عمر بص لي:

إيه؟
قلت:

افتكرت أول يوم رجعت فيه البيت.
ابتسم بحرج:

وأنا مستحيل أنسى اليوم ده.

قفلنا الكرتونة، وقلت:

بالمناسبة… المفتاح الجديد؟
طلع مفتاحين من جيبه: واحد لي، وواحد له. وبعدين قال:

ومفتاح ثالث؟
بصيت له باستغراب:

لمين؟
ابتسم:

ولا حد.
ورماه في الدرج:

ده مفتاح احتياطي للطوارئ، ومحدش هيشوفه غيرنا.
ضحكت:

كويس.

وبينما كنا بنقفل الدولاب، رن جرس الباب. بصينا لبعض. عمر راح يفتح، وكانت نادية واقفة عند الباب وفي إيدها طبق أكل. رفعت الطبق وقالت:

المرة دي خبطت الأول!

ضحكت رغمًا عني. عمر بص لي، وأنا هززت راسي:

خليها تدخل.

دخلت نادية وهي بتضحك، لكن قبل ما تعدي العتبة، بصت لي وقالت:

على فكرة… البيت ده بيتكم إنتوا الاتنين.

ابتسمت، ولأول مرة من يوم ما اشتريناه، صدقتها فعلًا. لأن البيت مش مجرد عقد ولا مفتاح ولا أربع حيطان، البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش فيه يقرر عنك من غيرك، والمكان اللي حتى أقرب الناس ليك يعرفوا إن الحب مش معناه إنهم يقتحموا حدودك… وإن المفتاح، مهما كان صغيرًا، لا يُعطى إلا لمن تثق به.

أما أنا وعمر… فما رجعناش للحياة اللي كانت قبل المشكلة، بل بدأنا حياة جديدة؛ أهدأ، أوضح، وأهم حاجة… كان فيها باب، والباب له مفتاح، والمفتاح كان معانا إحنا الاتنين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى