
الجزء الثاني: الورقة التي قلبت كل شيء سمعت صوت باب الجراج يفتح تحت. اتجمدت أنا ونادية في مكاننا. بصينا لبعض في نفس اللحظة. وبعدين سمعنا صوت خطوات عمر وهو داخل البيت. عمر رجع. قالتها نادية بصوت شبه هامس. أما أنا، فكنت واقفة وسط أوضة نومي، وحواليّ كراتين مليانة حاجتي، وهدوم نادية معلقة في دولابي. ولأول مرة من يوم ما اتجوزت عمر، حسيت إن البيت اللي كنت لسه من كام أسبوع بعتبره حلم حياتي، بقى فجأة مكان غريب عني.
طلع عمر السلم. وأول ما ظهر عند باب الأوضة، وقف. عينه راحت مني لنادية، وبعدين للكراتين، وبعدين للهدوم المعلقة في الدولاب. وشه اتغير.
إنتِ رجعتي بدري؟
قلت وأنا ببص له بثبات:
أيوه.
سكت. دخل خطوتين جوه الأوضة.
نادية، إنتِ عملتي إيه هنا؟
نادية بصت له بصدمة:
أنا؟!
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الغضب:
أيوه، هي. واضح إنها عملت كل ده لوحدها.
عمر بص لي:
استني، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
رديت فورًا:
لأ، أنا مش فاهمة حاجة أصلًا. وده بالظبط اللي مخوفني.
نادية قربت منه:
عمر، إنت ما قلتليش إنها مش عارفة؟
لف ناحيتها بسرعة:
نادية، اسكتي دلوقتي.
هنا عرفت إن فيه حاجة أكبر من مجرد كذبة عابرة. قلت:
لأ، خليها تتكلم.
عمر حاول يقاطعني:
خلينا ننزل نتكلم بهدوء.
مش هننزل. هنتكلم هنا.
بص لي كام ثانية، وبعدين قال:
أنا كنت هقولك.
إمتى؟
ما ردش.
إمتى يا عمر؟
خفض عينه:
لما الأمور تهدى.
ضحكت بمرارة:
الأمور تهدى؟
وأشرت للكراتين:
يعني بعد ما أخرج من بيتي؟
نادية رفعت إيدها وقالت:
أنا آسفة، بس أنا فعلًا كنت فاكرة إنك موافقة.
لفيت لها:
نادية، إنتِ قلتي إن عمر طلب منك تمضي على ورق.
وش عمر اتغير مرة تانية. بص لها بسرعة:
إنتِ قلتي لها؟
قالت:
هي سألتني.
قلت:
ورق إيه؟
عمر سكت. مديت إيدي:
هات الورق.
مفيش داعي.
يبقى أكيد فيه داعي.
نادية قالت:
هو اداني الورق وقال إن دي إجراءات عشان البيت يفضل باسمه لو حصل انفصال.
التفتُّ لعمر:
يفضل باسمه؟
رفع عينه لي:
الموضوع مش كده.
أمال إزاي؟
أنا كنت بحاول أحمي البيت.
ضحكت:
تحميه مني؟
لا.
أمال من مين؟
سكت.
وهنا، لأول مرة، لاحظت حاجة غريبة. عمر ما كانش غاضب، كان خايف. خايف من حاجة أنا لسه ما عرفتهاش. قلت:
افتح الكلام كله يا عمر.
فضل ساكت، فأكملت:
أو أنا هفتحه بنفسي.
طلعت موبايلي:
هتصل بالمحامي اللي عمل عقد البيت.
عمر اتوتر:
استني.
لأ.
هشرح لك.
اشرح.
تنهد طويلًا، وقعد على الكرسي، وبعدين قال:
أنا اكتشفت إن فيه مشكلة في أوراق البيت.
اتجمدت:
مشكلة إيه؟
لما اشترينا البيت، الشركة اللي باعت لنا العقار كان عندها ملف ملكية قديم، وفيه مستندات ناقصة.
قلت:
وإيه علاقتي أنا بده؟
اسمك موجود في عقد الشراء، لكن كان فيه إجراء تسجيل نهائي لسه ما اكتملش.
وإنت عرفت إمتى؟
من أسبوعين.
من أسبوعين؟!
هز رأسه:
أيوه.
وليه ما قلتليش؟
سكت.
ليه؟
قال بصوت منخفض:
لأن فيه شخص كان بيطالب بحقه في البيت.
بصيت له:
مين؟
قبل ما يجاوب، قالت نادية:
أخويا.
لفيت لها بسرعة:
إيه؟
عمر بص لها بغضب:
نادية!
لكنها كملت:
أخويا كان شريك قديم في الشركة اللي باعت البيت.
بدأت الصورة تتضح، لكنها ما كانتش مكتملة. قلت:
وإنت كنت عارف؟
عمر هز رأسه:
عرفت بعد ما دفعنا.
وبدل ما تقولي، قررت تخبي؟
كنت بحاول أحل الموضوع.
عن طريق إنك تخفي الحقيقة وتتصرف من ورايا؟
أنا ما قلتش كده عشان أؤذيك.
لكنك فعلت!
سكت.
نادية قالت:
عمر قال لي إن الموضوع مؤقت وإنك هتخرجي من البيت لحد ما المشكلة تتحل.
بصيت لعمر:
وإنت كنت ناوي ترجعني بعدين؟
طبعًا.
وأنا المفروض أصدقك بعد ما اكتشفت إنك بتقرر مصيري من ورايا؟
خفض رأسه، ولأول مرة، ما لقيش إجابة. لكنني لمحت على المكتب ملفًا بنيًا. مديت إيدي وخدته، فتحته، وفي أول صفحة كان فيه مستند باسمي. قرأت السطر الأول، ثم الثاني، ثم توقفت. رفعت عيني لعمر:
دي مش أوراق نقل ملكية.
قال:
عارف.
دي أوراق تنازل.
ما ردش. قلبي هبط:
إنت كنت عايزني أمضي وأتنازل عن نصيبي؟
كنت عايز أحميك.
بالتنازل عن حقك وحقك معايا؟
قال بسرعة:
لو حصلت مشكلة قانونية، كنت خايف تخسري فلوسك.
فقررت تخلي الفلوس كلها عندك؟
سكت.
في اللحظة دي، نادية مدت إيدها للملف، قلبت الصفحات، وفجأة قالت:
عمر… دي مش الورقة اللي خليتني أمضي عليها.
التفتنا لها:
إيه؟
قالت:
الورقة اللي أنا مضيت عليها كانت حاجة تانية.
عمر وقف:
نادية، الورقة دي ما تخصكيش.
لأ، تخصني.
راحت لشنطتها وطلعت نسخة مطوية، فتحتها وحطتها على السرير. قريتها بسرعة، ثم رفعت عيني لعمر:
إنت خليتني أوقع إقرار إني موافقة إنك تبيع نصيبك في البيت من غير الرجوع لزوجتك؟
سكت.
نادية شهقت:
ليه؟
عمر لم يرد، وأنا بدأت أفهم. قلت بهدوء مخيف:
لأنك كنت ناوي تبيع البيت.
رفع عينه لي:
كنت مضطر.
لمين؟
وهنا قال اسمًا لم أسمعه من قبل:
لشخص اسمه فؤاد السالمي.
نادية شهقت مرة ثانية:



