روايات وقصص

دعوه حماتي حكايات انجي الخطيب

«أنا رايحة أعمل عمرة مخصوص عشان أقف قدام الكعبة وأدعي على مرات ابني!»

قالتها حماتي بصوت عالي قدام أهل العيلة والجيران، وهي رافعة إيديها للسماء كأنها بتحكي عن واحدة غريبة، مش مرات ابنها اللي واقفة قدامها ودموعها نازلة من غير ما تقدر تدافع عن نفسها.

بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه، فقالت وهي بتبصلي باستياء:

«أيوه، هادعي عليها بكل اللي عملته فيا… دي أخدت ابني مني وخليته بعيد عن أمه! من يوم ما اتجوزها وهو ناسي أمه، لا بيسمع كلامي ولا بيسأل عليا زي الأول.»

رديت عليها بهدوء رغم إن قلبي كان بيتقطع:

«يا أمي، أنا عمري ما وقفت بينك وبين ابنك، وإنتي عارفة ده كويس.»

ضحكت بسخرية وقالت:

«أمي؟! بعد اللي عملتيه في ابني تقوليلي يا أمي؟! ده أنا لو فضلت أدعي عليكي العمر كله مش هاخد حقي.»

جوزي كان واقف ساكت، عينيه في الأرض، وكأنه مش قادر يختار بين أمه ومراته.

قربت منه وقلت بصوت مكسور:

«قول لها إني عمري ما عملتلك حاجة… قول لها إني كنت بتحايل عليك تروح لها دايمًا، وإنت اللي تقولي إنك مش قادر عشان بترجع من الشغل تعبان.»

قبل ما يرد، حماتي قاطعته وقالت:

«إنتَ متتكلمش! أنا عارفة هي عملت فيك إيه… بس خلاص، أنا مسافرة العمرة، وهناك هطلب من ربنا ياخد حقي منها.»

وبعدين بصتلي قدام الكل وقالت:

«وخليكي فاكرة كلامي… الدعوة اللي هطلعها من قلبي مش هتترد.»

ساعتها حسيت بقشعرة في جسمي، مش خوف من دعائها، لكن من شدة المشاعر اللي كانت في صوتها.

بعد يومين، سافرت حماتي فعلًا.

وأول ما وصلت، بعتت لأهل البيت صورة ليها وهي في الحرم وكتبت تحت الصورة:

«بدأت أدعي…»

أنا وقتها قفلت الموبايل وحاولت أنسى الموضوع.

لكن الساعة اتنين ونص بعد نص الليل، تليفوني رن.

رقم غريب من خارج مصر.

رديت وأنا مترددة:

«ألو؟»

جالي صوت راجل مرتبك جدًا:

«حضرتك مرات ابن الحاجّة سهام؟»

قلت:

«أيوه… في إيه؟»

سكت ثواني، وبعدين قال جملة خلتني أقلق جدًا:

«بس أوعديني إنك مش هتقولي لحد اللي هقولهولك دلوقتي.»

وقبل ما ألحق أسأله حصل إيه، سمعت صوت حد تاني في الخلفية بيقول:

«محدش يدخل عليها! محدش يدخل… لحد ما نعرف هي شافت إيه!»

«شافت إيه؟ هي حصلها حاجة؟!»

سألته وأنا قلقة، بس الراجل رد بصوت متوتر وهو بيحاول يوطي صوته عشان محدش يسمعه:

«يا أختي اهدي وركزي معايا… الحاجة أول ما دخلت الصحن وقربت من الكعبة عشان تدعي، كانت ماشية كويس وبصحتها، وفجأة وسط الزحمة وقفت مكانها، وشها اتغير كأنها شافت حاجة غريبة قدامها.»

سكت الراجل ثانية بياخد نفسه، وأنا كنت بسمعه وأنا مش عارفة أصدق اللي بيحكيه، كمل وقال:

«الناس حواليها حاولوا يهدوها، وبعدها قالت كلام مش مفهوم، ووقعت من شدة الإرهاق. نقلوها للفندق واهتموا بيها لحد ما هديت، بس من ساعتها وهي قاعدة في زاوية الأوضة، حاطة إيديها على راسها، وبتبص للسقف وكل ما حد يقرب منها تقول إنها شايفاكي واقفة جنبها.»

قفلت الموبايل وإيدي بتترعش، وجسمي كله كان متوتر رغم الجو الدافي.

جوزي كان صحي على صوتي، قام وسألني في إيه.

بصيتله والدموع في عيني وقلتله بصوت مش طالع:

«أمك… أمك في مكة يا أحمد… جرى لها حاجة.»

في نفس الليلة أحمد حجز أول طيارة وسافر لها، وسابني هنا في بيت أهلي بين مشاعر متناقضة؛ إحساس بالظلم، وقلق على اللي بيحصل لها.

بعد أربع أيام، أحمد رجع… بس مرجعش زي ما سفر.

دخل عليا البيت وشه شاحب، عيونه غرقانة في الأرض، وشايل في إيده شنطة هدوم أمه.

قربت منه بلهفة:

«أحمد! فين طنط؟ حصل لها إيه؟ هي كويسة؟»

أحمد رفع عينه في عيني، وكانت أول مرة أشوف في عين جوزي كمية الكسرة والذهول دي. قعد على أقرب كرسي وكأنه شايل هم كبير، وقال بصوت حزين:

«أمي رجعت يا فاطمة… بس مش هي اللي سافرت.»

بلعت ريقي وقلتله:

«يعني إيه؟»

رد وهو بيمسح دموعه:

«أمي هناك مرت بصدمة كبيرة. بعد اللي حصل، حالتها النفسية اتغيرت جدًا، والدكاترة قالوا إنها محتاجة متابعة وراحة. بقت ساكتة معظم الوقت، ومش بتتكلم كتير.»

سكت أحمد وهو متأثر، فسألته بصوت مخنوق:

«بتقول إيه؟»

بصلي وقال:

«بتبصلي بدموع وبتقول: سامحيها… قولي لها تسامحني.»

في اللحظة دي حسيت بقلبي بيتنفض. المشاعر القاسية اللي كانت في عينين حماتي قبل ما تسافر اختفت، واتبدلت بحالة من الندم والضعف.

أحمد مسك إيدي وقال:

«حقك عليا أنا… أنا اللي سكت وخليتك تتعبي، وربنا شاهد على كل حاجة.»

بعدها بيومين، نزلت أزورها في شقتها. دخلت الأوضة لقيتها قاعدة على السرير، وأول ما عينها جت في عيني، ما بصتش باستياء زي زمان… بالعكس، اتنفضت من مكانها وجت ناحيتي وهي بتبكي، وبتكرر بصوت ضعيف:

«سامحيني… سامحيني يا بنتي…»

وطيت عليها ومسكت إيديها اللي كانت بتترعش، ودموعي نزلت. مش عشان اللي حصل لها، لكن عشان حسيت إن الغضب اللي كان بينا انتهى.

بعد ما مسكت إيدها، بصلت لي بدموع ونظرة كسرة عمري ما شفتها في عينيها.

«مسامحاكي يا طنط… مسامحاكي وربنا يغفرلك ويشفيكي.»

أول ما نطقت الكلمة دي، حماتي اتنهدت تنهيدة طويلة وموجوعة، ومالت براسها على صدري وبكت بصوت مسموع.

في اللحظة دي خرج أحمد من باب الأوضة وهو متأثر جدًا.

مرت الأيام، وحالتها الصحية والنفسية فضلت محتاجة متابعة ورعاية، لحد ما رحلت بعد فترة، وتركت وراءها درسًا كبيرًا لكل اللي عرفوا قصتها.

الناس كلها في المنطقة كانوا بيتكلموا عن اللي حصل، لكن بالنسبة لي، الأهم ماكانش كلام الناس.

الأهم إني فهمت إن الخلافات العائلية ممكن تكبر جدًا لما يدخل فيها الغضب وسوء الظن، وإن التسامح أحيانًا بيكون الطريق الوحيد للراحة.

أحمد اتغير تمامًا بعد رحيل أمه… بقى يجيلي البيت ويعتذر لي عن كل لحظة وقف فيها ساكت وساب الخلاف يكبر.

لكن رغم إن حقي ظهر ورغم إن الكل عرف إني كنت مظلومة، إلا إن المشهد بتاعها وهي بتبكي قدامي فضل معلّم في قلبي.

تعلمت من اليوم ده إن الإنسان ممكن يختلف ويغضب ويفهم الأمور بشكل غلط، لكن لما يستخدم الدين والمقدسات في الخلافات، لازم يراجع نفسه ويتأكد إنه ما بيظلمش حد.

مرت سنتين على اللي حصل… سنتين وأنا بحاول أرمي الحادثة دي ورا ضهري وأعيش حياتي طبيعي، بس أثرها فضل سايب علامة جوة بيتنا.

أحمد جوزي تغير تمامًا. بقى حنين زيادة عن اللزوم، بيعمل حساب لكلمتي قبل كلمته، وكأنه بيحاول يعوضني عن كل يوم صعب شفته في بيت أمه.

وفي نفس الوقت، كان فيه هدوء غريب مسيطر على الشقة. الأوضة اللي كانت قاعدة فيها حماتي قبل رحيلها، ما حدش مننا كان بيحب يقعد فيها لفترة طويلة.

في يوم، كنت قاعدة مع أحمد بعد الفجر بنشرب الشاي، وقالي بصوت واطي وهو بيبصلي بتردد:

«فاطمة… أنا عايز أطلب منك طلب بس خايف يضايقك.»

بصت له وقلت له:

«خير يا أحمد؟ في إيه؟»

نزل عينه في الأرض وقال:

«أنا طالع العمرة الشهر الجاي… ونفسي تيجي معايا. نفسنا نروح ونقف قدام الكعبة سوا، وندعي لها بالرحمة… ونقفل الصفحة دي خالص من حياتنا، عشان حاسس إن قلبي محتاج يهدى.»

جسمي اتشنج أول ما سمعت سيرة العمرة والكعبة. الأفكار جرت في دماغي وافتكرت اللي حصل.

بس بصيت لأحمد وشفت الكسرة اللي في عينيه، وعرفت إن الراجل ده شايل هم كبير، ونفسه يبرّ أمه حتى بعد رحيلها.

مسكت إيده وقلت له:

«موافق يا أحمد… نروح سوا.»

بعد شهر، كنا واقفين في صحن الحرم.

أول ما عيني جت على الكعبة، ركبي ارتعشت والدموع نزلت من عيني. افتكرت حماتي وهي واقفة نفس الوقفة، وافتكرت كل اللي حصل.

مسكت في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى