روايات وقصص

خطيبها نسي يقفل المكالمة وسمعته بـ الصدفة حصري لموقع لمحه

### الجزء الثاني والنهاية

بدأت الأغنية تهدأ تدريجياً، وسط همسات المعازيم وابتساماتهم، حتى صمتت القاعة بأكملها في اللحظة التي رفعت فيها شيرين يدها، وأشارت لمنظمات الفرح بخطوة خفيفة. لم يتغير شيء على وجهها لا غضب ظاهر، لا دمعة سقطت، بل كانت متماسكة، وعيناها تلمعان ببريق لم يره أحد من قبل.

شريف مد يده ليأخذ يدها، وهمس بصوت دافئ حاول أن يخفي ارتباكه:

* تعالي يا حبيبتي.. نكتب الكتاب ونبدأ حياتنا مع بعض.

لم تبتعد، ولم تقترب أيضاً، بل ثبتت في مكانها وقالت بصوت واضح وصل إلى كل زاوية في القاعة:

* قبل ما نكتب الكتاب، عندي كلام لازم أقوله.. قدام كل الناس هنا.

تململ شريف، وبدت ملامح القلق على وجهه:

* كلام إيه يا شيرين؟ كل حاجة في وقتها.. الناس بتنتظر.

أمه سعاد وقفت بسرعة وصوتها ارتفع:

* عيب يا بنتي! العروسة ما تتكلمش كده في يوم فرحها! تعالي يا حبيبتي، خلينا نمشي في المعاد.

حينها التفتت شيرين نحو سعاد، ونظرت إليها نظرة جعلت المرأة تتراجع خطوة دون أن تدري لماذا:

* الفرح ده فرحي.. وكل الكلام اللي هيتقال هنا لازم يُسمع.

ثم أشارت إلى الشاشة الكبيرة التي كانت مُجهزة لعرض صور خطوبتهما. توهجت الشاشة، لكن لم تظهر صور الورود، بل ظهر تسجيل صوتي بدأ يُشغّل بصوت واضح، صوت شريف بنفسه منذ الليلة الماضية:
*”- أول ما الفلوس والشقة يبقوا باسمي مناصفة.. مش هكون مجبر أفضّل معاها يوم واحد زيادة! هي شايلة حمل 3 عيال ومحتاجة أي راجل يشيل عنها الحمولة.. أي ورقة هحطها قدامها هتمضي عليها وهي ممنونة!”*

صمت مُطبق خيّم على المكان، ثم تحول الصمت إلى همسات مذهولة. وجه شريف اصفر كالورق، وتجمد في مكانه كالتمثال. سعاد حاولت الصراخ:

* كذب! ده كلام مُفترى! إيه اللي بتعمله يا شيرين؟!

لكن شيرين رفعت يدها لتنصت للجميع، واستمر التسجيل.. كلمة بكلمة، كل خطتهم، وكل كلمة قيلت عن العيال، عن الأموال، وعن كيف أن كل ابتسامة وكل مساعدة كانت مجرد خدعة لاستغلال حاجتها للدعم.

لم تكتفِ بذلك. أشارت مرة أخرى، فظهرت على الشاشة وثائق رسمية تثبت أن الشقة بأكملها مسجلة باسمها وحدها، وشهادات الإيداع البنكية التي تحمل أسماءها وأسماء أطفال أختها المتوفية مباشرة، وتعهد موثق بأن هذه الأموال مخصصة بالكامل لمستقبلهم التعليمي والمعيشي ولا يحق لأي زوج أو قريب التصرف فيها.

قالت شيرين وهي تنظر مباشرة إلى سعاد، ثم تحولت نظراتها إلى شريف الذي بدأ يتراجع نحو المخرج:

* كنتِ فاكرة إنني وحيدة وضعيفة فأستسلم؟ كنتم بتقسموا مستقبلي ومستقبل أيتام في سبيلكم.. ونسيتوا إن الحق له صوت ما يخمدش.

بينما كان يحاول الهرب، وقف عند الباب رجلان بملابس رسمية: محامٍ وموظف من جهة حماية الأموال والأسرة. تقدما نحو شريف وسلّما له إشعاراً قانونياً بدعوى الحماية من الابتزاز والتلاعب، بالإضافة إلى إخطار بأنه ممنوع من الاقتراب من شيرين أو الأطفال أو أي من ممتلكاتها.

أنتِ حطيتيني في مصيبة! همس شريف بصوت مرتجف حين اقتربت منه خطوات شيرين.
ردت بهدوء:

* أنت اللي حطيت نفسك فيها.. اخترت الغدر بدل الأمانة، والطمع بدل المحبة. واليوم ده مش يوم فرحك.. يوم انكشاف الحقيقة.

لم يكن هذا كل شيء. فبعد أن استوعب الناس الموقف، دعت شيرين الأطفال الثلاثة ليصعدوا إلى المنصة معها. كانوا خائفين في البداية، فاحتضنتهم بقوة، ثم قالت:

* كنت أختار لكم أبًا يحبكم لذاتكم.. فوجدت من يريد أن يستغلكم. فقررت أن أكون لكم كل شيء، وأن أؤمن مستقبلكم كما تستحقون.

ثم أعلنت أمام الجميع أنها وقّعت في الصباح الباكر على وثيقة وقفية رسمية تضمن لكل طفل منهم منزلاً مستقلاً، وصندوقاً تعليمياً يكفيه حتى التخرج من الجامعة، ورصيداً شهرياً ثابتاً يضمن له حياة كريمة مدى الحياة، مع تسجيل اسمها وصية قانونية عليهم بشكل رسمي.

مرت الساعات، وانفضّ الحشد وقد تغيرت نظراتهم تماماً.. لم يروا فيها عروسة خُذلت، بل امرأة انتصرت على من حاول كسرها. لم تبكِ شيرين حين رأت شريف وأمه يخرجان من القاعة خاسرين، بل أمسكت بيد كل طفل من أطفالها، ونظرت إلى المستقبل بثقة.

لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك. ففي الأيام التالية، واجهت شيرين محاولات يائسة من شريف وأمه لاستعادة ما خططوا له من اتصالات ورسائل تهديد، لكنها كانت قد أحكمت كل باب بوثائق محمية وحسابات مُؤمّنة، ولم ترد على تهديداتهم إلا ببلاغات رسمية، وسرعان ما توقفوا.

مع مرور الأشهر، استقرت الحياة. استأجرت شيرين شقة أكبر قليلاً ليتسع لهم جميعاً، ووضعت جدولاً زمنياً منظماً للدراسة واللعب. كانت تُعوّضهم بكل ما أوتيت من قوة، وتعلّمهم أن القوة لا تأتي من الاعتماد على الآخرين بل من القدرة على حماية من نحبهم.

كانت تذهب معهم في بداية كل إجازة إلى المقابر لزيارة قبر أختها، وتقول لها بصوت هادئ: “أنا حافظت على أمانتك.. هم بأمان.” وكلما كبروا قليلاً، أشركت كل طفل في معرفة حقوقه وممتلكاته، ليكونوا واثقين أن لديهم ما يكفيهم ليكونوا أحرارًا في اختيار مستقبلهم دون ضغط أو حاجة لأحد.

مرت السنوات وكبر الأطفال والتحقوا بالجامعات، وكل منهم أثبت جدارته في مجاله، وكانوا يذكرونها في كل مناسبة قائلين إنها لم تكن مجرد خالة، بل كانت لهم الأم والأب والوطن.

أما شريف فحاول أن يكرر خدعته مع غيرها، لكن سيرته انتشرت، وسرعان ما وجد نفسه منبوذاً وتدهورت حالته المادية. سعاد لم تتغير طباعها، لكنها فقدت نفوذها واحترام الناس، وعاشت في عزلة تامة تندم على ما فعلته بعد فوات الأوان.

شيرين لم تتزوج مرة أخرى، ليس رفضاً للحب، بل لأنها وجدت فيه ما يكفيها في عيون أبنائها. وحين سألها أحدهم في مناسبة تكريمية عن سبب عدم ارتباطها، قالت بابتسامة هادئة:

* لقد ملأتموا قلبي.. فما عاد فيه مكان لغيركم.

في اليوم الذي تخرّج فيه أصغر الأطفال، وقفت شيرين في الحفل ترتدي ثوباً بسيطاً أنيقاً، وعيناها تلمعان بدموع السعادة. اقترب منها الخريج واحتضنها وقال بصوت مسموع:

* أنتِ من صنعت هذا اليوم.. لولاكِ ما كنا وصلنا لهنا.
ردت بكل فخر:
* أنتم من صنعتموه.. أنتم ثمر عمري، وسبب صمودي.

بعد سنوات أخرى، اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء في منزلها الكبير، أحفادها يلعبون حولها، وأبناؤها يتحاورون ويضحكون. نظرت إليهم شيرين وشعرت بالسلام يملأ روحها. لقد مرّت بأصعب التجارب، وكادت أن تفقد ثقتها في الناس، لكنها اكتشفت أن الكرامة لا تُعطى بل تُسترد، وأن الأمان الحقيقي لا يكون في يد رجل بل في القدرة على حماية النفس.

انتهت القصة، لكن حكايتها لا تزال تُحكى. ليس كقصة خيانة وانتهاء، بل كقصة صمود وبداية جديدة، تُحكى لكل من تقف وحيدة لتتعلم أن المنقذ الحقيقي هو القوة التي تسكن داخلنا حين نقرر ألا ننكسر أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى