
بعد ما أختي عملت عملية كبيرة في المخ، جوزها رفض تيجي عند أمي لحد ما تخف، فبقيت أروح بيتها أخدمها هناك، بس جوزها مكانش عايزني أروح عنده، واللي قاله لجوزي في وشه صدمني صدمة عمري وحطني في موقف ملوش أي حل!
كان يوم صعب يوم ما أختي الكبيرة عملت العملية الصعبة دي في المخ. بعد فترة طويلة وتعب كبير في المستشفى، أخيراً الدكتور كتب لها خروج، لكنه قعد يوصي وينبه علينا ألف مرة: الست دي محتاجة راحة تامة، ما تتحركش كتير، والأهم من كل ده.. ما يبقاش فيه أي ضغط عصبي ولا زعل، لأن أي توتر ممكن يأثر على حياتها.
أمي من خوفها عليها قالت لجوزها: يا ابني سيبها تيجي تقعد عندي الفترة دي لحد ما تقف على حيلها.
بس هو رفض وقال: مراتي ما تسيبش بيتها أبداً! إحنا نخدمها ونرعاها، أمي وأختي قاعدين تحت وموجودين، مش هيقصروا.
أنا وأختي اتضايقنا لما قال الكلمة دي، لأن أختي كانت دايماً تحكيلي عن حماتها وأخت جوزها، وإنهم ما بيساعدوهاش في شغل البيت. بس قلنا يمكن لما يشوفوها في الظروف دي، وهي عاملة عملية كبيرة في المخ، قلوبهم تحن ويقفوا جنبها.
راحت أختي بيتها، ومر أول يوم والتاني. وكل ما أكلمها ألاقي صوتها ضعيف ومش قادرة تتكلم، تقول لي: معلش يا سعاد، شوية تعب ويروحوا لحالهم.
لحد اليوم التالت، لقيت تليفوني بيرن. فتحت الخط لقيت أختي بتبكي بحرقة: تعاليلي يا سعاد.. تعاليلي حالاً.. أنا مش قادرة أقوم من السرير، ولا حد بيطلعلي ولا يعملولي أكل، والعيال محتاجين رعاية وأنا مش قادرة أعمل حاجة!
ساعتها جريت عليها وروحت لها. دخلت لقيتها على السرير، وشها شاحب وحالتها متعبة. حكتلي والدموع نازلة على خدها إنهم من أول يوم طلعولها شوية شوربة ونزلوا، ومفيش واحدة فيهم عتبت باب شقتها تاني!
وهي بالتعب ده كله كانت بتحاول تقوم وتراعي جوزها وعيالها الصغار.
أنا اتضايقت جداً وقلت لها: أنا هكلم أمي ونروح نتكلم مع جوزك، لما هما مش قادرين يساعدوكي ليه سايبينك كده؟
أختي مسكت إيدي وهي بتترجاني والدموع في عينها: يا سعاد مش عايزة مشاكل.. أمي تعبانة وعندها الضغط، ولو عرفت هتتعب، وجوزي مش هيسكت في الكلام أنا عرفاه. عشان خاطري بلاش تتعبوني أكتر من كده.
سألتها بقلة حيلة: طب والحل إيه؟
قالت لي: تعاليلي إنتِ كل يوم، معلش هتعبك معايا.. جوزك إنسان كويس ومحترم وأنا متأكدة إنه مش هيمانع.
قلت لها فوراً: ماشي يا ستي، دي بسيطة، أهم حاجة راحتك.
استأذنت جوزي، ورغم إن واحدة تسيب بيتها كل يوم دي حاجة ممكن تضايق أي راجل، بس عشان هو أصيل وبيقدر صلة الرحم قال لي: وماله يا سعاد، دي أختك، ربنا يشفيها ويقومها بالسلامة.
وبقيت كل يوم من الصبح أصحى، آخد عيالي أوديهم عند أمي، وأروح لشقة أختي. أراعيها وأراعي عيالها الصغار، أطبخ وأغسل وأكوي وأرتب البيت من أوله لآخره عشان ما تعملش أي مجهود.
وبدأت أختي فعلاً ترتاح، ووشها يرد، وتتحسن شوية بشوية.
بس المشكلة كانت في جوزها!
الراجل ده كان في إجازة أسبوعين من شغله لأنه مرشد سياحي، وكان قاعد في البيت. وطول ما أنا شغالة، كان يدخل ويخرج ويقول بصوت عالي يسمعني: أمي كانت طالعة تخدم وتعمل، بس لما لقت أختك هنا قالت مالوش لزوم ندخل بين الأخوات!
كنت أرفع رأسي وأكون عايزة أرد عليه، بس أختي تمسك إيدي وتقول لي: طنشي عشان خاطري.. اسكتي يا سعاد.
وكنت أتحمل الكلام وأسكت، عشان عارفة إن أي ضغط أو زعل ممكن يأثر على صحتها.
لحد ما في يوم دخل الصالة، وبصلي ببرود وقال لي: هو أنتِ معندكيش حاجة تعمليها في بيتك ولا إيه؟ على طول فاضية كده يا سعاد؟
أنا من الإحراج وشي احمر ومقدرتش أرد. أختي اتضايقت وقالت له: بتيجي تشوف طلباتي! أنا عاملة عملية كبيرة ومفضية نفسها عشاني!
قعدت أهدي في أختي وأقول لها: حصل خير.
وأنا جوايا بدعي الأيام تعدي وأختي تقف على حيلها، عشان أقدر أرجع لحياتي الطبيعية.
وبدأ يتعمد يتصرف بطريقة تحرجني عشان أمشي، أو يتكلم بصوت عالي وهو ماشي في الشقة، ويقول كلاماً عن إنه مش عارف يعيش حياته براحة في بيته.
كنت بعدي الموضوع بالعافية، وأقول عشان خاطر أختي الغلبانة اللي محتاجة هدوء ورعاية.
لحد ما في يوم وصل بيه الأمر إنه دخل على أختي الأوضة، واتعمد يعلي صوته عشان أسمعه:
هي أختك دي هتفضل تيجي لنا كل يوم كده؟ هي مش وراها بيت ولا مسئوليات؟
أختي قالت له بخوف وصوت واطي: وطي صوتك، عيب الكلام ده! أنا اللي عايزاها تيجي عشان بحتاجها ومقدرش أستغنى عنها.
رد عليها بانفعال: لا، إنتِ مش محتاجاها! كفاية بقى، وقومي خدي بالك من نفسك بدل ما البيت بقى كله حركة! أختك بقت موجودة هنا طول الوقت، وأمك كل شوية تيجي.. الموضوع بقى متعب!
أول ما سمعت كلامه، كنت طالعة أتكلم معاه، لكن في اللحظة دي الباب خبط بقوة.
راح فتح الباب، ولقى جوزي واقف!
جوز أختي بص له وقال ببرود: أهلاً.. كملت والله! أنت كمان جاي تقعد ولا إيه؟
ساعتها الأرض دارت بيا، وجوزي اتصدم من الطريقة والكلام، وأنا وقفت في المطبخ مكاني، وموقف ملوش أي حل.
يا ترى جوزي هياخدني ويمشي ويمنعني أدخل البيت ده تاني وأسيب أختي؟ ولا هيتكلم معاه ويحصل خلاف بينهم، وأختي هي اللي تدفع الثمن من صحتها؟
وقف جوزي عند الباب، وملامح وشه اتغيرت من الهدوء للدهشة. هو مكانش جاي يتخانق، ده كان معدي عليا وهو راجع من شغله عشان ياخدني وننزل نسأل على طبيب يتابع حالة أختي، لكن الطريقة اللي اتكلم بيها جوز أختي كانت صعبة جداً.
جوزي بلع ريقه، وبص لجوز أختي وقال بصوت هادي لكنه حازم:
أنا جاي آخد مراتي يا أستاذ.. مراتي اللي سابت بيتها وعيالها وجات تقف جنب أختها اللي محتاجة رعاية، في الوقت اللي بيتها التاني كان المفروض يحتويها!
جوز أختي اتضايق وقال:
والله مرتك جت باختيارها، ومحدش طلب منها تيجي! وبيتنا فيه ناس، ومحدش طلب من حد يخدمنا! الراجل منكم يرجع مراته ويقعدها في بيتها، إحنا مش ناقصين زحمة في بيت أهلي!
في اللحظة دي كنت واقفة عند باب المطبخ مش قادرة أتحرك، ودموعي نازلة على وشي.
خرجت أختي من الأوضة ببطء شديد، ساندة على الحيطة، ووشها شاحب، وعينيها بتترجى كل واحد فينا.
بصتلي وبصت لجوزي وقالت بصوت متقطع:
عشان خاطري يا أبو العيال.. عشان خاطري يا سعاد، ما تخربوش بيتي.. سامحني يا أحمد، أرجوك يا سعاد ما تمشيش وتسيبيني.. أنا محتاجة وجودك جنبي.
جوزي بص لأختي، ونظرته اتغيرت. كان عارف إن أختي محتاجة رعاية وهدوء في اللحظة دي.
مسك إيدي وقال بصوت قاطع:
امشي معايا يا سعاد.. خدي حاجتك ويلا بينا.
وقفت محتارة في نص الصالة. الموقف كان صعب جداً.. لو مشيت مع جوزي، أختي ممكن تتعب وأنا مش هسامح نفسي. ولو رفضت أمشي وقعدت عشان أختي، هكون بحط جوزي في موقف صعب.
أختي تعبت فجأة، وقعدت على الأرض وهي ماسكة رأسها من شدة الإرهاق.
أول ما شافها، جوز أختي نفسه اتخض، لكن جوزي اتحرك بسرعة، وساعدها ترجع للسرير.
وبص جوزي لجوز أختي وقال بحزم:
أنا مش هسيب أخت مراتي تتعب وهي محتاجة رعاية. مراتي هتقعد هنا لحد ما نطمن عليها، وأنا مش هعمل مشاكل، لكن بعد ما تتحسن الأمور لازم كل واحد يعرف حدوده ويحترم التاني.
وبصلي جوزي وقال:
أنا هروح يا سعاد.. خليكي مع أختك، ولما تخلصي قوليلي. أنا مش هاجي المكان ده تاني، لكن أختك لحد ما تقوم بالسلامة أهم من أي خلاف.
مشي جوزي، وأنا قعدت جنب سرير أختي أبكي. الموقف ما كانش مجرد خلاف عابر، لكنه عمل شرخ كبير بيني وبين جوزي، وفي نفس الوقت خلاني مسئولة عن أختي لحد ما تتحسن.
مرت الأيام اللي بعدها ببطء. كنت بروح لأختي وقلبي مقسوم نصين. نص مع أختي اللي كانت حالتها النفسية متعبة جداً، وأي صوت عالي كان بيخليها تتوتر، ونصف مع جوزي اللي بقى يرجع البيت ساكت.
مكانش بيزعقلي، لكن سكوته كان أصعب عليا من الكلام.
كان حاسس إن موقفه اتعبه، وأنا معرفتش أوازن بين حق أختي وحقه.
حماتها وأخت جوزها لما عرفوا باللي حصل، بدل ما يحسوا بالمسئولية، بقوا يقولوا كلام يضايقني عن وجودي في البيت.
كنت بتجاهل الكلام، وأدخل المطبخ أعيط في السر عشان أختي متشوفنيش.
كنت بعمل الأكل، وأراعي العيال، وأدي لأختي علاجها في مواعيده، وأول ما ييجي الليل ألم حاجتي وأمشي.
جوز أختي بقى يتجاهلني تماماً، يدخل ويخرج وكأني مش موجودة، وأحياناً يقعد مع أصحابه في الصالة بصوت عالي، وده كان بيضايق أختي لأنها محتاجة هدوء تام.
بعد أسبوعين كاملين من التعب ده، جه يوم المتابعة، اليوم اللي الدكتور هيشوف فيه العملية ويتأكد إن كل شيء ماشي كويس.
أنا اتصلت بأخويا الصغير وقلت له ييجي معايا، عشان يوصلنا للدكتور.
دخلنا للدكتور، وبص على الجرح وقال:
الحمد لله، العملية التأمت بشكل ممتاز، والجرح حالته كويسة جداً. أهم حاجة الفترة الجاية تبدأ العلاج الطبيعي والتغذية الجيدة، وتبعد تماماً عن أي ضغط عصبي.
أول ما سمعت الكلام ده، حسيت إن حمل كبير انشال من على صدري.
رجعت الشقة مع أختي، ولميت كل حاجاتها، ونظفت البيت للمرة الأخيرة، وقعدت جنبها على السرير ومسكت إيدها.
قلت لها بصوت هادي لكنه مليان مشاعر:
يا أختي يا حبيبتي.. أنتِ دلوقتي بقيتي كويسة وتقدري تتحركي وتقفي على حيلك شوية بشوية. أنا عملت اللي عليا قدام ربنا، ووقفت جنبك في أصعب أيام حياتك.. بس لحد هنا دوري خلص.
أختي مسكت إيدي وبكت:
يا سعاد متزعليش من اللي حصل.. أنا عارفة إنك استحملتي حاجات كتير عشاني.



