روايات وقصص

بنتي في خطر 2 حكايات مني السيد

وقف يونس قدامي، وشه دبلان والدموع معلمة على خدوده. مسك إيدي الاثنين بين إيديه، وكانت إيده بترتعش وبتردد، زي ما يكون حاسس إنه ملوش حق يلمسني بعد اللي كان هيعمله.
نزل يونس على ركبه قدامي على الأرض، مسك إيدي وباسها بنشجة وجع هزت كيانه كله، وقال بصوت متقطع: “سامحيني يا حور.. سامحيني والله العظيم الشيطان كان عامي عيني. أنا فديتك بعمري كله، بس جهلي وعمايا كانوا هيخربوا بيتنا في ثانية. أنا مش قادر أبص في عينك ولا أستوعب إني كنت هرفع إيدي عليكي.. إيدك اللي شيلتني وشالت بيتي وعيلتي طول السنين دي.”
أنا كنت واقفة مش قادرة أنطق، الدموع نازلة من عيني بسكوت تام. كنت حاسة  كبير جوه قلبي، جرح مش بسهولة يلتئم لمجرد إن الحقيقة ظهرت. الشك لما يدخل بين أي زوجين بيسيب شرخ، وحتى لو يونس اتخدع، فكرة إن علامات الاستفهام اتوجهت لي والمرتين أطلع في نظرهم متهمة لحد ما الدليل يظهر، كانت وجعاها روحي.
سحبت إيدي بالراحة من إيده، وبصيت له بنظرة مليانة ألم وقولت له بصوت واطي ومكسور: “الوجع مش بس إن حماتي اتبلت عليا يا يونس.. الوجع الحقيقي إنك صدقتها من أول كلمة. الدهب المرة الأولى سكت عشان بحبك وما ردتش أعمل مشكلة بينك وبين أمك، وقولت بكرة تعرف الحقيقة.. بس السكوت خلاني في نظرك مجرمة مستنية الفرصة الثانية! لو مكة مكنتش صورت.. لو مكنش في فيديو، كان زماني دلوقتي مطرودة من بيتك ومفضوحة بين الناس  معملتهاش، وكانت إيدك نزل على وشي!”
يونس حط إيده على رأسه وبدره بنشجة وندم مرير: “حقك عليا.. قطع إيدي قبل ما تلمسك! والله العظيم أنا مخدوع ومقادير الغضب كانت عمياني. أنا عارف إن كلمة سامحيني قليل على اللي حسيتيه، بس وحياة حبنا وحياة مكة ما تسيبيني ولا تشيلي مني في قلبك.. أنا أتعلمت الدرس بأقسى طريقة ممكنة، وعرفت مين اللي بيحبني وبيصون بيتي، ومين اللي كان مستعد يهد حياتي عشان أوهام وغل.”
مكة كانت واقفة بتتفرج علينا وعينيها مليانة براءة ووجع، قربت مسكت إيد باباها وقالت له: “بابا.. متزعلش ماما تاني. ماما كانت بتعيط طول النهار لما أنت كنت برة، وكانت بتقولي تيتة طيبة ومتقوليش عليها حاجة وحشة.”
الكلمة دي نزل على يونس زي النار. مسك مكة وحضنها وجابها ونزلوا قدامي. قام وقالي بصوت حاسم ورجولي، كأنه بيتولد من جديد: “أنا عارف إن الأمور مش هترجع زي الأول في ثانية، وحقك تاخدي وقتك وتزعلي وتتعاتبي.. بس المرة دي أنا مش هكتفي بإن أمي مشيت. أنا هرد لك كرامتك قدام الدنيا كلها.”
يونس مسك تليفونه، وبدأت أراقب تصرفاته بذهول. اتصل بأخوه الكبير، وبأخته، وطلب منهم يجوا الشقة فوراً. كنت فاكرة إنه هيحاول يلم الموضوع جواه أو يكتم عليه عشان شكل أمه، بس يونس كان جواه غضب ورغبة حقيقية في إنه يغسل كل القهر اللي عشته.
خلال نص ساعة، كانت شقتنا مليانة. أخوه دخل ووشه مشدود، وأخته كانت بتبص لي بتكبر كأنها عارفة إن في مصيبة ومستنية تنزل عليا. أخوه قال بغضب: “في إيه يا يونس؟ أمك جتلنا البيت بتعيط وتصرخ وبتقول إنك طردتها عشان خاطر مراتك وبنتك؟ أنت جرى لعقلك إيه؟ تبيع أمك عشان حور؟”
أخته كملت بقرف: “أكيد حور عملت حكاية جديدة، ما هي من يوم ما دخلت العيلة دي وأمك مش مرتاحة لها! بقى أمك اللي ربتك تطلع برة شقتك زي الغريبة؟”
يونس كان واقف ساكت، بيسمع كلامهم والشرار بيطلع من عينيه. سابهم يخلصوا كل الشتائم والاتهامات اللي حافظينها، وبعدين طلع الموبايل من جيبه وحطه على الترابيزة في نص الصالة.
وقال بصوت صلب زي الحديد: “خلصتوا؟ اتفضلوا اتفرجوا على شقا عمر أمكم وعلى الأصول اللي بتعلمها لنا.”
شغل يونس الفيديو قدام أخوه وأخته على أعلى صوت. في الأول كانوا متوقعيين يشوفوا حاجة ضدنا، بس أول ما الفيديو بدأ يشتغل وظهرت أمهم وهي بتتسحب في الضلمة، وبتفتح الدولاب وتدفس الفلوس بغل بين هدومي وتطلع تجري تصرخ وتدعي بالباطل.. الوشوش اتغيرت تماماً.
أخوه عينيه وسعت بصدمة رهيبة، ووشه بقى يبدل ألوان. أخته حطت إيدها على بقها ومقدرتش تنطق بكلمة واحدة. الصوت كان واضح، وغل أمهم وصوت شتيمتها ليا وللبنت كان مالك الأوضة.
يونس وقف بثبات وقالهم: “دي أمكم اللي جاية تشتكي لكم وتقول طردتها! دي الأم اللي كانت عايزاني أضرب مراتي المظلومة وأخرب بيتي بكتلة كدب وتلفيق! والمرة الأولى الدهب اللي لقيناه في شنطة حور.. كانت هي اللي حاطاه برضه بنفس الطريقة! شوفتوا مراتي اللي نازلين فيها شتيمة وصابرة بقالها سنين عاملة إيه؟ شوفتوا مين اللي بيصون ومين اللي بيهد؟”
أخوه وجموده اتكسر، بقى يبص للترابيزة ومش قادر يرفع عينيه في يونس ولا فيا. أخته طأطأت رأسها بكسرة وخجل ملهوش حدود.
أخوه قرب مني وقال بنبرة مليانة خجل: “حقك علينا يا حور.. والله ما كنا نعرف. احنا كنا فاكرين أمي مظلومة، بس اللي شفناه ده يكسف ويخجل. سامحينا يا أختي.”
يونس شال التليفون وقال بصوت قاطع: “أنا جمعتكم هنا مش عشان تشتموا أمكم، دي أمكم وليها احترامها وسنها.. أنا جمعتكم عشان أعرفكم إن بيتي ده خط أحمر! حور وبنتي كرامتهم من كرامتي. أمي على راسي من فوق، هخدمها بعيني ومصاريفها عندي، بس شقتي دي مش هتعتبها تاني، ومحدش فيكم يفتح بقه مع حور كلمة واحدة بعد النهاردة!”
أخوه وأخته أخدوا بعضهم وخرجوا من الشقة زي المقنعين، ووجوههم في الأرض من الخزي والصدمة في أمهم.
أول ما الباب اتقفل، يونس التفت لي، قرب مني وحضنني بكل قوته، حضن واحد بيغرق وبيتمسك بآخَر أمل في حياته. فضل يحضنني ويهمس في ودني: “رديت لك اعتبارك قدامهم كلهم يا حور.. بس فاضل إني أرد لك اعتبارك جوه قلبك. ارجوكي ما تقفليش بابك في وشي.”
أنا استسلمت للحضن ودموعي نزلت، بس حاسيت إن القصة لسه مخلصتش.. لأن حماتي لما عرفت إن سرها اتكشف قدام ولادها كلهم وإن يونس فضح حيلتها، الجنان والغل جواها وصل لقمته، وقررت ترد بضربة أشد وأخطر مش هتخطر على بال حد.
مرت أيام والبيت مغمور بهدوء حذر، هدوء يسبق العاصفة. يونس كان بيحاول بكل الطرق يكفر عن ذنبه؛ يجي من شغله بدري، ينزل يشتري كل طلبات البيت، ويقعد تحت رجلين مكة يلعب معاها ويجيب لها كل اللي تتلاقاه عينها، وعينيه عليا طول الوقت بتبص بكسرة وندم، مستني مني كلمة أو ابتسامة ترجع المياه لمجاريها. أنا كنت بتعامل بهدوء، بس كان جوايا شرخ كبير.. السكوت اللي عشته والأيام اللي اتظلمت فيها مكنتش بسهولة تتنسي.
في الناحية الثانية، حماتي لما عرفت إن سرها اتكشف قدام ولادها كلهم، وإن يونس فضح حيلتها قدام أخوه وأخته، الغل والجنان جوة قلبها وصل لقمته. مكنتش قادرة تستوعب إن العيلة كلها بقت تبص لها بنظرة خزي، ولا إن “بت الفلاحين” -على حد تعبيرها- هي اللي طلعت المنتصرة ويونس وقف في ظهرها وطرد أمه عشان يحمي بيته.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى