الصمت اللي نزل على صالة فيصل بعد ما خاله إبراهيم رزع الباب وراه كان أتقل من جبل المقطم.
العيال سكتوا فجأة من الخضة، ماسكين أطراف الفطير المشلتت المدهنن، وصفاء واقفة مربعة إيديها وبتبص لعمر كأنه برص مزنوق في ركن، بينما الحاجة كوثر كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وصوت صدرها طالع زي وابور الجاز القديم، باصة لمريلة المطبخ وكيس الفحم اللي في نص الصالة.
بقى الهانم.. بنت الأكابر.. باعتالك مريلة وشواية تهزأك بيهم وسط أهلك وناسك يا عمر؟ كوثر نطقت الكلمات وهي بتجز على سنانها، وصوتها بيعلى تدريجي لحد ما بقى صړيخ وإنت قاعد زي اللوح متنح؟
رامينا في الفقر ده، مأكلنا جبنة قديمة وعسل أسود في عزومة عيد ميلادها اللي إحنا متكدرين وجايين لها مخصوص، وهي بتصيّف وبتضحك علينا في التليفونات؟!
عمر مكنش قادر يرفع عينه من الأرض. كرامته مكنتش بس في الأرض، دي كانت ممسوحة بمسطردة التلاجة الفاضية.
قوم يا واد اتصل بيها حالاً! كوثر زعقت وخبطت كف على كف اطلبها وقولها إنتِ طالق بالتلاتة! اللي ميكرمش أهل جوزه ويحطهم فوق راسه ميلزمناش! دي واحدة متسواش بصلة، عايزة تكسر كلمتك وتعمل لك راس براس!
صفاء دخلت على الخط وزادت الطين بلة والله يا خالتي كوثر، لو فضلت على ذمته بعد العملة السودة دي يبقى مفيش في البيت
ده راجل! دي قاصدة تصغركم كلكم.. شوف العيال بياكلوا إيه؟ فطير بايت ومحروق، والراجل المحترم نزل ضغطه في الأرض ومشي يسب ويلعن! اتصل بيها يا عمر وسمعنا صوتها وهي بتترجاك!
عمر قعد على الأرض، سند ضهره على ترابيزة السفرة، وبص لأمه وخالته بجمود غريب أول مرة يظهر في ملامحه. شريط الخمس سنين اللي فاتوا كله عدى قدام عينيه في ثواني.
افتكر أول سنة جواز، لما أمه عزمت أربعين واحد في سبوع بنت أخته، ورنا وقفت على رجلها ستاشر ساعة متواصلة في المطبخ، ولما خلصت والناس مشيت، قعدت في زاوية المطبخ تبكي من ۏجع ضهرها، وأمه أول ما خرجت قالت الملح كان قليل في المحشي يا
ودي الملح المرة الجاية.
افتكر لما كان بيرجع الفجر من الورشة معاه أصحابه تلاتة الفجر جعانين، يصحيها من أحلى نومة ويقول لها بعين قوية قومي حمري بطاطس واقلي بيض للرجالة يا رنا، وكانت بتقوم من سكات عشان متكسفوش، وتاني يوم تنزل شغلها في الشركة عيونها منفخة من قلة النوم.
افتكر كل عزومة وكل واجب كان بيرميه على كتافها، وافتكر جملته اللي لسه رنانة في ودنه زي قلم سخن أنا قولت لأمي رنا بتعرف توجب وتشيل البيت.
هو مكانش بيوجب، هو كان بيبيع كرمها وتعبها برخص التراب عشان يتقال عليه قدام أهله راجل مسيطر ومراته خدامة تحت رجليهم.
عمر رفع راسه
وبص لأمه بصة خلت كوثر تسكت فجأة مش هطلقها يا أمي.
صفاء شهقت نعم يا خويا؟! بعد الڤضيحة دي؟
عمر وقف على حيله، صوته كان هادي بس مليان ۏجع وخزي مش هطلقها، عشان رنا مغلطتش في حرف.. رنا ست البيت اللي شيلتُها فوق طاقتها خمس سنين وكنت فاكر إن ده حقي مكتسب. أنا اللي عزمت خمستاشر نفر من غير ما أسألها، وأنا اللي قولت لها اطبخي في يوم عيد ميلادك، وأنا اللي رميت العزومة ونزلت أفرّج أصحابي في الورشة وممعييش حتى أدفع تمن كيلو لحمة مفرومة!
كوثر وشها احمر من الغيظ ووقفت قصاده إنت بتغلط في أمك عشانها؟ دي رمتك في الڼار قدام خيلانك!
أنا اللي رميت
نفسي في الڼار يا أمي لما حبيت أعمل فيها الباشا العازم من جيب غيري وتعب غيري! عمر مسك كيس الفحم وحطه على جنب، وبص لخالته صفاء خدي عيالك يا صفاء، ولمي الليلة دي. الشقة دي مبقاش فيها عزومات خلاص، ومفيش هنا طباخة شغالة ببلاش لحد. اللي عايز يبارك يبارك بكلمة حلوة، واللي جاي عشان بطنه، المطاعم مالية البلد.
صفاء بصت لكوثر بذهول وقالت بقى كده يا ابن أختي؟ بتطردنا عشان الست الهانم؟ ماشي.. بكره تعرف قيمتنا لما تسيبك وتخرب بيتك!
لمت صفاء عيالها وشنطها وهي بتبرطم وتدعي، والحاجة كوثر وقفت تبص لعمر بخيبة أمل ودموع غيظ ضيعت هيبتك يا عمر.. ضيعت
هيبتك عشان
وشواية فحم! وركبت ونزلت ورا صفاء، والباب اتقفل وراهم بهدوء، بس المرة دي الهدوء كان پيصرخ في ودن عمر.
وقف في وسط الشقة.. الصالة ټضرب تقلب، فتافيت الفطير في كل حتة، العسل مدلوق على مفرش السفرة، بقع الزيت على السيراميك، المطبخ يضرب يقلب وفيه برطمان المسطردة الفاضي وورقة الفلوماستر الفوشيا.
عمر دخل المطبخ، شال الورقة من تحت المغناطيس، طبقها وحطها في جيبه جنب قلبه.
قعد على كرسي المطبخ الخشب، وحط راسه بين إيديه.. وبكى. بكى مش عشان الڤضيحة، بكى عشان حس قد إيه كان شخص أناني، واخد وجودها في حياته أمر مسلم بيه، مكنش بيشوفها إنسانة، كان بيشوفها ماكينة تدوير للبيت ولطلباته
هو وأهله.
الساعة كانت داخلة على سبعة المغرب.. عمر مسح وشه، وقام. قلع قميصه، وشمر كمام فانلته، وربط مريلة المطبخ بتاعة أنا شيف العيلة النهاردة على وسطه.
بدأ بالصالة.. جاب المقشة والجاروف، كنس كل فتفوتة رموها العيال، جاب الجردل والشرشوبة ومسح الأرض مرتين بالديتول لحد ما السيراميك بقى يزيّق. غسل مفرش السفرة بإيده على الحوض، ومسح الكنب، ونضف الحمام اللي اتبهدل من وراهم.
دخل المطبخ.. غسل الكام كباية اللي كانوا في الحوض، لمع الرخامات، نضف البوتاجاز اللي كان متراكم عليه دهون بقالها شهور وهو مكنش بياخد باله منها، ولم كل كيس وكل ژبالة ونزل رماهم في الصندوق اللي تحت العمارة.
خلص شغل الشقة على الساعة اتناشر بالليل، كان ضهره مكسور ودراعاته مش قادر يرفعها، ورجليه وارمة.. وقتها بس استوعب رنا كانت بتعمل المجهود ده كله، ومعاه طبيخ لأسبوع، وغسيل، وتصحى تروح شغلها الصبح مبتسمة، وهو كان بيبخل عليها بكلمة تسلم إيدك!
تاني يوم، الأحد الصبح.. عمر نزل الورشة بدري جداً، اشتغل بتركيز من غير ما ينطق نص كلمة مع حد. طلب من الأسطى الكبير شغل إضافي، فضل شغال لحد بعد المغرب، ولما قبض يوميته مع قرشين كانوا متشالين له من شغل قديم، مروحش البيت.
راح على السوبر ماركت الكبير اللي في الهرم.. مسك عربية الطلبات، ومسك ورقة بيضا وقلم جبنة بيضا، جبنة رومي، لبن، زبدة
طبيعي،


