
أدهم بص للصورة اللي في إيدي.
“أبوكِ.”
فضلت ساكتة، مش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان بيرجع البيت كل يوم تعبان، ويقعد يصلحلي لعبتي المكسورة، كان شايل السر ده لوحده.
قلت بصوت :
“أبويا وهو مظلوم؟”
أدهم ما جاوبش بسرعة.
“مش هقدر أقولك ده قبل ما أعرف الحقيقة.”
“وإيه علاقة الورق اللي بتدوروا عليه بالموضوع ده؟”
فتح الملف على صفحة فيها رسم قديم لأراضٍ وعقارات، وأشار لاسم مكتوب في آخر الصفحة.
“فيه مستند أصلي، عليه توقيعات قديمة، لو ظهر، هيكشف مين كان صاحب الحق الحقيقي في الأراضي دي، ومين نقل الملكية من غير وجه حق.”
وبعدين سكت لحظة قبل ما يضيف:
“والظاهر إن أبوكِ كان محتفظ بنسخة منه.”
أنا ما صدقتش.
“محتفظ بنسخة فين؟”
أدهم هز راسه.
“دي الحاجة اللي لازم نعرفها.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل فؤاد من غير ما يخبط.
“يا أدهم بيه، لقينا حاجة في الكاميرات.”
أدهم وقف فورًا.
“إيه؟”
فؤاد حط جهاز لوحي على الترابيزة، وشغل تسجيل من كاميرا الممر الغربي.
الصورة كانت واضحة نسبيًا. الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة بعد منتصف الليل، ظهر دياب وهو خارج من باب جانبي، ماسك ملف أسود تحت دراعه.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي، مش دياب.
كان فيه شخص تاني واقف في آخر الممر.
شخص طويل، لابس بدلة غامقة، ووشه مش واضح بسبب زاوية الكاميرا.
دياب قرب منه، وسلمه الملف، وبعدها الاتنين اتكلموا شوية، ثم الشخص التاني رفع راسه ناحية الكاميرا مباشرة.
وكأنه عارف إنها بتسجله.
أدهم وقف التسجيل.
“كبّر الصورة.”
فؤاد عمل اللي طلبه، لكن الصورة فضلت مشوشة.
أدهم قرب من الشاشة، ولأول مرة شفت عليه حيرة حقيقية.
“مستحيل.”
سألته: “مين ده؟”
ما ردش.
كرر فؤاد: “يا باشا، نقدر نجيب التسجيلات من البوابة ونشوف دخل منين.”
أدهم هز راسه.
“اعمل كده.”
وبعدين بصلي وقال:
“مريم، عايزك تفضلي هنا. محدش هيدخلك ولا هيخرجك من الأوضة دي غير لما أرجع.”
كنت هسأله عن الشخص اللي في التسجيل، لكنه خرج بسرعة، وفؤاد وراه.
بعد أقل من دقيقة، سمعت صوت خطوات كتير في الممر، وبعدها صوت باب المكتب الكبير بيتفتح .
وصوت أدهم ارتفع للمرة الأولى:
“إنت بتعمل إيه هنا؟!”
وبعدها جاء صوت راجل تاني، هادي وواثق:
“جيت أطمّن عليك يا ابن أخويا.”
اتجمدت في مكاني.
ابن أخويا؟
يعني الراجل ده من عيلة أدهم.
قربت من الباب من غير ما أفتحه، وحاولت أسمع.
أدهم قال بحدة:
“أنا ما طلبتش منك تيجي.”
الراجل رد ببرود:
“مش لازم تطلب. ده بيتي زي ما هو بيتك.”
“بيتي أنا.”
ضحكة قصيرة خرجت من الراجل.
“لحد دلوقتي.”
بعدها ساد صمت تقيل، ثم سمعت أدهم يقول:
“عايزك تخرج من القصر.”
الراجل رد من غير أي خوف:
“قبل ما أمشي، عندي سؤال واحد. فين الملف الأسود؟”
حسيت بقلبي بيدق .
الملف الأسود اللي شفته في التسجيل.
أدهم قال: “معرفش إنت بتتكلم عن إيه.”
“متكذبش عليا يا أدهم. الملف ده فيه أوراق لو ظهرت، مش هتخسر القصر بس. إنت هتخسر كل حاجة.”
“وده يخصك في إيه؟”
الراجل قرب صوته من الباب، وقال:
“لأن أبوك، الله يرحمه، ما كانش المالك الوحيد للأراضي دي. فيه اسم تاني في العقد الأصلي، وإنت عارف الاسم كويس.”
ما سمعتش رد أدهم، لكن بعد ثواني سمعت صوت حاجة بتخبط في المكتب.
ثم صوت أدهم:
“إنت بتتهم أبويا بإيه؟”
الراجل قال:
“أنا ما اتهمتش حد. أنا بقولك إن فيه حق قديم لازم يرجع لصاحبه.”
وبعدين سمعت خطوات بتبعد، وصوت الباب الرئيسي بيتقفل.
استنيت شوية، وبعدها رجعت قعدت على الكرسي، وأنا بحاول أربط كل الكلام ببعضه.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
بعد حوالي ربع ساعة، دخلت عليا ست كبيرة من الخدم، اسمها أمينة، كانت مسؤولة عن تجهيز الأكل في القصر. وشها كان شاحب، وإيديها بتترعش وهي بتقفل الباب وراها.
قالت بصوت واطي:
“يا بنتي، إنتِ مريم؟”
أومأت.
قربت مني، وحطت إيديها على كتفي.
“أبوكِ كان راجل طيب.”
بصيت لها بصدمة.
“إنتِ تعرفي أبويا؟”
دموعها لمعت في عينيها.
“أنا اللي كنت بجهز له الأكل هنا من سنين. كان بييجي كل يوم الصبح، ويقعد في أوضة السجلات بالساعات. عمره ما مد إيده على حاجة مش بتاعته.”
مسكت إيدها بسرعة.
“طب ليه اتهموه؟”
أمينة بصت ناحية الباب، وبعدها همست:
“لأنه شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.”
“إيه هي؟”
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت خبط على الباب.
أمينة اتنفضت، وبصتلي برعب.
“محدش يعرف إني جيت لك. لو سألوك، قولي إنك ما شفتينيش.”
“استني! إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”
لكنها كانت خرجت بالفعل من الباب الجانبي الصغير اللي بيوصل لممر الخدمة.
قمت أجري وراها، لكن أول ما فتحت الباب، لقيت الممر فاضي.
وعلى الأرض، كان فيه مفتاح صغير مربوط بخيط أحمر.
انحنيت وأخدته.
كان عليه رقم محفور: ١٧.
رجعت الأوضة وقفلت الباب، وحطيت المفتاح في جيبي، وأنا حاسة إن كل خطوة باخدها بتقربني من سر أكبر مني بكتير.
بعد شوية، رجع أدهم.
أول ما شافني واقفة، سألني:
“حصل حاجة وأنا بره؟”
كنت هقوله على أمينة، لكن افتكرت خوفها، فقررت أستنى لحظة.
قلت: “لا يا باشا.”
فضل باصصلي، وكأنه مش مقتنع، لكنه ما ضغطش عليا.
“الراجل اللي كان هنا اسمه شريف. عمي.”
سألته: “هو اللي كان في التسجيل؟”
أدهم أومأ.
“أيوه.”
“هو عايز إيه؟”
“عايز الملف اللي اختفى.”
“وليه؟”
أدهم سكت شوية، وبعدها قال:
“لأن عمي شريف كان مسؤول عن إدارة ممتلكات العيلة وقت ما أبويا تعب، وهو آخر شخص وقّع على المستندات اللي اتغيرت فيها الملكيات.”
بصيت له بدهشة.
“يعني ممكن يكون هو اللي…”
أدهم رفع إيده يوقفني.
“ما تتهميش حد قبل ما يبقى معانا دليل.”
كنت هقول له على المفتاح، لكن في اللحظة دي تليفونه رن.
رد، وسمعته بيقول:
“إيه؟ لقيتوه فين؟”
سكت، وملامحه اتغيرت.
“محدش يلمس حاجة. أنا جاي حالًا.”
قفل وبصلي.
“لقوا دياب.”
قلبي وقع.
“حصل له حاجة؟”
“لقوه في غرفة الحراسة القديمة، مربوط، ومش قادر يتكلم.”
قمت من مكاني.
“مين عمل فيه كده؟”
أدهم بصلي نظرة طويلة.
“دياب نفسه هو اللي هيقول.”
غرفة الحراسة القديمة كانت في الجزء الخلفي من القصر، جنب المخازن اللي ما بقاش حد بيستخدمها. لما وصلنا، كان فؤاد واقف قدام الباب ومعاه اتنين من الحراس.
دخل أدهم الأول، وأنا فضلت عند الباب لحد ما أشار لي أدخل.
دياب كان قاعد على كرسي، إيديه مربوطين قدامه، ووشه عليه علامات إرهاق شديد. أول ما شاف أدهم، حاول يقوم، لكن رجليه ما ساعدتهوش.
أدهم وقف قصاده.
“مين عمل فيك كده؟”
دياب رفع عينه، وحاول يتكلم، لكن صوته كان مبحوح.
“أنا… أنا ما عملتش حاجة.”
أدهم رد ببرود:
“مش ده السؤال.”
دياب بلع ريقه، وبص ناحية فؤاد، وبعدها رجع بص لأدهم.
“فيه ناس دخلت القصر امبارح بالليل.”
“مين سمح لهم بالدخول؟”
“أنا.”
“ليه؟”
دياب سكت.
أدهم قرب خطوة.
“الملف الأسود فين؟”
دياب بدأ يتنفس بسرعة.
“مش معايا.”
“أمال سلمته لمين؟”
دياب بصلي فجأة، ووشه اتغير، كأنه شاف حاجة مرعبة.
“هي… هي ما كانش المفروض تبقى هنا.”
أدهم وقف بيني وبينه.
“اتكلم معايا أنا.”
دياب هز راسه .
“يا باشا، أنا ما كنتش أعرف إنها بنت الراجل ده. والله ما كنت أعرف.”
حسيت بدماغي بتلف.
أدهم سأله: “بنت مين؟”
دياب اتردد، وبعدها قال:
“بنت محمود.”
أول ما سمعت اسم أبويا، حسيت إني مش قادرة أتنفس.
أدهم قبض إيده.
“إنت كنت تعرف أبوها؟”
دياب هز راسه ببطء.
“كنت شغال هنا وقتها. كنت صغير، لكن فاكر اليوم اللي اتهموه فيه. فاكر إنه خرج من القصر وهو شايل شنطة صغيرة، ووشه كان أصفر من القهر.”
بصيت له وأنا بحاول أتماسك.
“إنت كنت عارف إنه مظلوم؟”
دياب ما ردش.
صرخت فيه:
“إنت كنت عارف؟!”
أدهم لف ناحيتي، لكني ما قدرتش أسكت.
“أبويا وهو فاكر إن الناس كلها صدقت إنه حرامي! وأنت كنت هنا، وكنت عارف حاجة، وساكت؟”
دياب نزل راسه.
“أنا ما كنتش أقدر أتكلم.”
“ليه؟”
صوته خرج مكسور:
“لأن اللي حصل لأبوكِ ممكن يحصل لي.”
سكتنا كلنا.
بعدها دياب بدأ يحكي.
قال إن محمود كان مسؤول عن مراجعة السجلات القديمة، وإنه اكتشف تحويلات مالية اتعملت من غير موافقة صاحب الشركة. لما حاول يبلغ، المستندات الأصلية اختفت، وظهرت أوراق تانية عليها توقيعه.
وفي نفس الأسبوع، اتهموه بالسرقة.
دياب قال إنه شاف شريف خارج من غرفة السجلات قبل اختفاء الورق بساعات، لكنه خاف يشهد، لأن شريف وقتها كان الرجل الثاني في القصر، وكل الحراس كانوا بياخدوا أوامرهم منه.
أدهم كان واقف ساكت، لكن كل كلمة كانت بتزود الغضب في عينيه.
“طيب، وإنت عملت إيه بالملف الأسود؟”
دياب رفع راسه.
“أنا ما خدتوش عشان أبيع المعلومات. أنا خدت الملف عشان أحمي نفسي.”
“من مين؟”
دياب بص ناحية الباب.
“من الشخص اللي بعتني أراقب مريم.”
أدهم قال: “مين؟”
دياب غمض عينيه.
“شريف.”
لكن قبل ما يكمل، اتسمع صوت إنذار قوي في القصر.
فؤاد بص لتليفونه، وبعدها قال:
“يا باشا، فيه حد فتح البوابة الجانبية.”
أدهم اتحرك فورًا، لكن دياب صرخ:
“استنى! دي خدعة!”
أدهم وقف.
دياب كمل بسرعة:
“شريف مش عايز يهرب. هو عايزك تسيب القصر وتروح للبوابة، عشان المكان اللي لازم تدور فيه هيبقى فاضي.”
“فين؟”
دياب بص ناحية السقف، وكأنه بيحاول يفتكر.
“الأرشيف القديم. تحت الممر الغربي.”
أدهم التفت لفؤاد.
“هات المفاتيح، واتنين من الأمن ييجوا معانا.”
وبعدين بصلي.
“إنتِ هتفضلي هنا.”
لكن قبل ما يتحرك، طلعت المفتاح اللي لقيته في ممر الخدمة.
“يا أدهم بيه، أمينة سابتلي ده.”
أدهم أخده، وبص للرقم المحفور عليه.
١٧.
دياب أول ما شافه، وشه اتسحب منه الدم.
“إنتِ لقيتيه فين؟”
“في ممر الخدمة.”
دياب بدأ يهز راسه.
“يبقى هي عرفت.”
أدهم سأله: “مين اللي عرفت؟”
دياب رد بصوت واطي:
“أمينة.”
نزلنا للممر الغربي، وأدهم كان ماشي قدامي بخطوات سريعة، وفؤاد وراه، ومعاهم اتنين من رجال الأمن. أول مرة أدخل الجزء ده من القصر وأنا مش شايلة أدوات التنظيف، لكن الخوف اللي كان جوايا أكبر من أي فضول.
وصلنا لآخر الممر، عند الباب اللي كنت سمعت الأصوات من وراه.
أدهم جرب المفتاح اللي عليه الرقم ١٧ في القفل الصغير الموجود جنب الحائط.
ما فتحش.
جربه في باب تاني، برضه ما نفعش.
فؤاد قال:
“ممكن يكون مفتاح خزنة.”
أدهم بص للحائط، وبعدها قرب من لوحة خشب كبيرة كانت متعلقة على الجدار. شالها، فظهر وراها باب حديد صغير، عليه قفل قديم.
المفتاح دخل فيه بسهولة.
أدهم لفه.
صدر صوت طقطقة، والباب اتفتح على سلالم ضيقة نازلة لتحت.
طلع من جوه هوا بارد وريحه ورق قديم ورطوبة.
واحد من الحراس شغل كشافه، ونزل أدهم الأول.
كنت هانزل وراه، لكنه وقف وبصلي.
“خليكي فوق.”
هزيت راسي، لكن قبل ما يرجع ينزل، قلت:
“أنا لازم أشوف المكان ده.”
“مريم…”
“أبويا اتظلم بسببه. أنا مش هقدر أرجع أقعد وأستنى حد يحكيلي الحقيقة.”
أدهم فضل باصصلي شوية، وبعدها أشار لي أمشي وراه، بشرط أفضل جنب الحارس وما ألمسش أي حاجة.
السلالم نزلت بينا لمخزن واسع تحت الأرض، فيه رفوف حديد قديمة، وصناديق خشب، ودواليب مقفولة.
على الحائط كان فيه ساعة واقفة عند تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
ما عرفتش ليه الساعة دي خلت قلبي يقبض.
أدهم لاحظ إني ببص لها.
“فيه إيه؟”
“الساعة واقفة.”
“من زمان.”
قربنا من مكتب قديم في آخر المخزن. فوق المكتب كان فيه صندوق أسود، مفتوح وفاضي.
أدهم فتح درج المكتب، وبدأ يقلب في الورق الموجود جواه.
فؤاد راح ناحية خزانة معدنية، وفضل يجرب مفاتيح مختلفة لحد ما فتحها.
جواها كانت ملفات كتير، لكن الملف اللي بندور عليه ما كانش موجود.
أدهم خبط بإيده على المكتب.
“اتنقل من هنا.”
فؤاد قال: “يبقى شريف سبَقنا.”
لكن أنا كنت باصة لحاجة تانية.
على الأرض، جنب رجل المكتب، كان فيه ظرف أصفر قديم، مدفون تحت التراب تقريبًا. انحنيت وأخدته، ولما فتحته، لقيت صورة لأبويا، واقف في نفس المخزن، ومعاه ست صغيرة شايلة طفلة.
الست كانت أمي.
والطفلة كانت أنا.
على ضهر الصورة، بخط أبويا، كانت فيه جملة واحدة:
“لو مريم رجعت القصر يومًا، سلّمها الأمانة بنفسك.”
إيدي بدأت ترتعش.
أدهم أخد الصورة مني، وقرا الجملة، وبعدها بصلي.
“أبوكِ كان عارف إنك ممكن تيجي هنا.”
هزيت راسي بعدم تصديق.
“بس أنا عمري ما سمعت منه أي حاجة عن القصر.”
فتحت الظرف تاني، ولقيت ورقة صغيرة مكتوب فيها عنوان في المنصورة، وتحت العنوان كلمة واحدة:
“الساعة.”
أدهم أخد الورقة، وفضل يبص لها.
“ساعة إيه؟”
في اللحظة دي، افتكرت الساعة القديمة اللي كانت عند أمي في البيت. ساعة حائط خشب، كبيرة وتقيلة، أبويا كان رافض إنها تتباع رغم إننا كنا محتاجين الفلوس.
كل ما كنت أسأله عنها، كان يقول لي:
“دي مش مجرد ساعة يا مريم. دي أمانة.”
بصيت لأدهم وقلت:
“أمي عندها ساعة قديمة في البيت. أبويا كان دايمًا يقول إنها أمانة.”
أدهم سكت لحظة، وبعدها قال لفؤاد:
“جهز العربية. هنروح المنصورة.”
لكن قبل ما نطلع من المخزن، سمعنا صوت الباب الحديد فوق بيتقفل.
الحارس اللي كان واقف عند السلم جرى ناحيته، وحاول يفتحه.
ما اتحركش.
فؤاد رفع صوته:
“مين بره؟ افتح الباب فورًا!”
محدش رد.
أدهم طلع تليفونه واتصل بالأمن، لكن مفيش شبكة في المكان.
بعدها سمعنا صوت خطوات فوقنا، ثم صوت رجل بيتكلم من خلال الباب الحديد:
“كنت عارف إنك هتيجي هنا يا أدهم.”
أدهم رفع راسه.
“شريف!”
صوت عمه رد:
“سيب الملف، واطلع لوحدك. مفيش داعي إن حد تاني يدفع تمن أخطاء أبوك.”
أدهم رد بغضب:
“إنت اللي هتدفع تمن كل اللي عملته.”
شريف ضحك.
“لسه فاكر إن الموضوع مجرد أوراق؟”
وبعدين سكت شوية، وقال جملة خلتني أحس إن قلبي وقف:
“اسأل مريم عن أمها. هي عارفة أكتر بكتير من اللي قالت لك عليه.”
بصيت لأدهم، وأدهم بصلي.
في اللحظة دي، عرفت إن فيه سر تاني، سر أمي نفسها يمكن تكون مخبياه عني طول السنين.
بعد محاولات كتير، قدر الحارس يفتح الباب من خلال آلية قديمة كانت موجودة على الجنب. طلعنا للممر، لكن شريف كان اختفى.
أدهم ما ضيعش وقت. اتصل برجاله، وطلب تأمين القصر كله، وبعدها خرجنا من البوابة الخلفية في عربيتين.
طول الطريق للمنصورة، كنت ساكتة، وببص من الشباك على الطريق اللي بدأ ينور مع شروق الشمس.
أدهم كان قاعد قصادي، وفؤاد جنب السائق.
بعد فترة، أدهم سألني:
“أمك قالت لك قبل كده إن أبوك كان بيخبي عنها حاجة؟”
فكرت شوية.
“أمي عمرها ما كانت بتحب تتكلم عن آخر أيامه. كانت بتقول إنه كان مهموم، وإنه كان بيصحى بالليل ويقعد قدام الساعة القديمة ساعات طويلة.”
“كان بيكلم حد؟”
“مش عارفة. بس مرة صحيت بالليل، ولقيته واقف قدامها، وبيتكلم لوحده. ولما شافني، حضنني وقال لي ما أخافش من أي حاجة، وإن الحق ممكن يتأخر، لكنه ما بيضيعش.”
أدهم فضل ساكت.
وبعد شوية، قال:
“يمكن أبوك كان بيحاول يسيب لك دليل.”
وصلنا بيت أمي بعد ساعة ونص تقريبًا.
كان بيت بسيط في شارع هادي، بابه أخضر قديم، وجنبه شباك صغير أمي كانت دايمًا تحط عليه زرع الريحان.
نزلت من العربية وجريت على الباب، وخبطت بسرعة.
أمي فتحت، وأول ما شافتني حضنتني بقوة.
“يا بنتي! إيه اللي جابك في الوقت ده؟ مالك؟ وشك أصفر ليه؟”
حاولت أبتسم.
“أنا بخير يا أمي. بس محتاجة أسألك عن حاجة.”
لما شافت أدهم وفؤاد واقفين ورايا، ملامحها اتغيرت.
بصت لأدهم طويلًا، وبعدين قالت بصوت واطي:
“إنت ابن محمود الكبير؟”
أدهم أومأ باحترام.
“أيوه يا حاجة. أنا أدهم.”
أمي فتحت الباب على وسعه، وطلبت مننا ندخل.
قعدنا في الصالة الصغيرة، والساعة القديمة كانت معلقة على الحائط المقابل.
كانت خشب بني غامق، وعقاربها واقفة عند الساعة تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
نفس الوقت اللي كانت الساعة الموجودة في المخزن واقفة عليه.
أدهم بص لها، وبعدها بص لأمي.
“حضرتك عارفة إيه اللي جوا الساعة دي؟”
أمي نزلت عينيها، وفضلت ساكتة.
مسكت إيدها.
“يا أمي، أنا لقيت صورة ليا وأنا صغيرة، وصورة لأبويا في القصر، وكان مكتوب إنه سايبلي أمانة.”
الدموع لمعت في عينيها.
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
أدهم مال لقدام.
“إيه اللي أبوها سابه؟”
أمي قامت ببطء، وراحت ناحية الساعة. فتحت الغطاء الخشبي من ورا، وفضلت تحرك إيديها جوه الجزء السفلي منها، لحد ما طلعت علبة معدنية صغيرة ملفوفة في قطعة قماش.
رجعت قعدت، وحطت العلبة قدامي.
“أبوكِ سلّمني دي قبل ما بشهرين. قال لي ما أفتحهاش غير لما تيجي مريم بنفسها، ومعاها حد من عيلة أدهم.”
بصيت لأدهم، وهو كان ساكت تمامًا.
فتحت العلبة.
جواها كان فيه دفتر قديم، ومجموعة أوراق عليها أختام، ومفتاح صغير تاني، وصورة لرجلين واقفين جنب بعض.
واحد منهم أبويا.
والتاني كان والد أدهم.
لكن الحاجة اللي خلت أدهم يقوم من مكانه فجأة، كانت الورقة اللي في آخر الدفتر.
كانت شهادة مكتوبة بخط واضح، بتقول إن الأراضي اللي اتنقلت ملكيتها في الفترة دي كانت جزء منها أمانة محفوظة باسم شخص آخر، وإن أي تصرف فيها من غير توقيعه باطل.
وفي آخر الصفحة كان فيه اسم:
محمود عبد الرحمن.
اسم أبويا.
أدهم أخد الورقة، وقرأها أكتر من مرة.
فؤاد قرب منه، وبدأ يراجع الأختام والتواريخ.
أمي كانت بتعيط في صمت.
سألتها:
“يا أمي، إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟”
هزت راسها.
“كنت عارفة إن أبوكِ مظلوم. لكن ما كنتش أعرف إزاي أثبت ده. هو قال لي إن الورق ده لو ظهر في الوقت الغلط، ناس كتير ممكن تتأذي.”
أدهم رفع عينه لها.
“مين الناس دي؟”
أمي اترددت، وبعدين بصتلي.
“أبوكِ كان بيقول إن اللي سرق الورق مش شخص واحد. كان فيه اتنين، واحد من عيلة القصر، وواحد من بره. والاتنين اتفقوا إن محمود هو اللي يشيل الليلة كلها.”
أدهم سألها: “تعرفي اسم الشخص التاني؟”
أمي هزت راسها بالنفي.
“أبوكِ ما قالش اسمه. لكنه كتب حاجة في الدفتر.”
فتحت الصفحة الأخيرة، ولقينا سطر صغير تحت التاريخ:
“النسخة التانية عند الشاهد اللي ما .”
أدهم فضل يبص للجملة، وبعدها قال:
“الشاهد اللي ما ؟”
فؤاد رد بتفكير:
“ممكن يكون واحد من الموظفين اللي كانوا موجودين وقتها.”
أمي هزت راسها.
“لا. محمود كان يقصد شخص محدد. قبل ما ، قال لي إن فيه حد اتقال إنه في ، لكنه في الحقيقة كان لسه عايش.”
حسيت ببرودة في أطرافي.
“مين؟”
أمي بصت لأدهم، وبعدها قالت:
“اسمه حسن. كان سائق والد أدهم، واختفى من سنين طويلة بعد حادثة على الطريق الزراعي.”
أدهم اتجمد.
“حسن . أنا حضرت العزاء بنفسي.”
أمي ردت بهدوء:
“أبوكِ كان بيقول إن الجثمان ما كانش جثمان حسن.”
ما حدش نطق.
فؤاد قفل الدفتر ببطء.
وأدهم، اللي طول عمره كان واثق إن مفيش سر في القصر يقدر يستخبى عنه، وقف قدام الساعة القديمة وهو باصص للعقارب الثابتة.
تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
وبعدين تليفونه رن.
رقم مجهول.
رد أدهم، وحط المكالمة على السماعة.
جاء صوت راجل كبير، متعب، لكنه واضح:
“يا أدهم بيه… لو الورق وصل لإيدك، يبقى مريم وصلت لك.”
أدهم شد جسمه.
“مين معايا؟”
الراجل رد:
“أنا حسن.”
أدهم قرب التليفون من ودنه.
“إنت فين؟ وإزاي عايش؟”
حسن أخد نفس طويل.
“مفيش وقت للأسئلة. لازم تسمعني كويس. شريف عرف إن مريم لقت الأمانة، وهيبعت حد ياخدها منك. ما تثقش في أي حد جوه القصر، حتى لو كان من أقرب الناس ليك.”
أدهم قال بحدة:
“إنت عارف مين اللي بيساعده؟”
حسن سكت لحظة، وبعدها قال:
“أيوه. وعندي الدليل. بس مش هقدر أقابلك في أي مكان إنت تختاره.”
“تختار إنت المكان.”
“المحطة القديمة، عند المخزن رقم سبعتاشر. الساعة تسعة بالليل.”
وبعدين أضاف:
“وخد بالك من مريم. هي مش مستهدفة بسبب أبوها بس.”
أدهم بصلي.
“أمال ليه؟”
صوت حسن بقى أوطى.
“لأن أمها كانت آخر شخص شاف الورق الأصلي قبل ما يختفي.”
أمي شهقت، وغطت فمها بإيديها.
أدهم قال:
“ده مستحيل. مريم كانت طفلة.”
حسن رد:
“مريم ما كانتش تعرف، لكن حد تاني كان عارف إنها اتولدت في اليوم اللي اتغيرت فيه ملكية الأرض.”
وبعدين المكالمة اتقطعت.
فضلنا كلنا باصين للتليفون.
أدهم لف ناحيتي، وملامحه بقت شديدة.
“مريم، لازم ترجعي القصر معايا.”
سألته وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتنهار:
“ليه؟ إيه اللي أنا ليا علاقة بيه؟”
أدهم بص للدفتر، وبعدها قال:
“مش عارف لسه. لكن فيه حد مستعد يعمل أي حاجة عشان الورق ده ما يظهرش.”
أمي مسكت إيدي.
“خلي بالك من نفسك يا بنتي.”
حضنتها، ووعدتها إننا هنفضل على اتصال، وإن رجال الأمن هيبقوا قريبين منها لحد ما نعرف مين اللي بيهددنا.
لكن قبل ما نخرج، أمي نادتني.
“مريم، استني.”
رجعت لها.
كانت واقفة جنب الساعة القديمة، وبتبص للجزء الخلفي منها.
“فيه حاجة تانية أبوكِ قالهالي، وأنا كنت خايفة أقولها لك.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“إيه؟”



