
سمعت جوزي وحماتى بيتكلمو بصوت واطى في الصالة…
حماتى كان صوتها مليان غل وهي بتقول: «أنت ازاى تكتب باسم مراتك؟ أنت اتجننت يا حازم؟ ضحكت على عقلك فى ثلاث شهور زواج تاخد منك مش كفايه متجوزها ارمله ومعها طفل كمان
جوزي ضحك ضحكة صفره وقال بصوت واطي:
يا امى متبقيش غبية ومش فاهمة حاجة..انتى تعرفى هي وارثة إيه من جوزها ومخبياه فين، كنتي هتقوليلي اكتبلها عمري كله مش بس »وراثه دهب وفلوس وواراضى
جسمي اتنفض مكاني.. حسيت إن الدنيا بتلف بيا.. شيلت ابنى اللي عنده خمس سنين وهو نايم على كتفي، واتسحبت لباب الشقة زي الحرامية.. ومن غير ولا كلمة، فتحت الباب ونزلت جري على السلم مش الأسانسير عشان ميسمعوش صوتي..
واللي اكتشفته بعد كده كان كارثة مفيش شيطان يفكر فيها
قلبي كان بينبض في زوري وأنا نازلة على السلم، كل درجة بنزلها بحس إن رجلي مش شيلاني، وابني يوسف حاطط راسه على كتفي ونايم ولا حاسس بالدنيا ولا اللي اتغرست في ظهري.
خرجت للشارع والهوا الضامس ضرب في وشي، الدنيا كانت بعد أنصاف الليالي، والشارع فاضي مفيش فيه غير صوت كلاب حراسة بتتخانق في البعيد. مشيت وأنا مش عارفة أنا رايحة فين، كل اللي بفكر فيه كلام حازم: “كنتي هتقوليلي اكتبلها عمري كله مش بس .. ورثة دهب وفلوس وأراضي”.
يا ابن الحرامية!
ده أنا كنت فاكراه العوض! بعد ما جوزي الله يرحمه طارق اتوفى في حادثة وسابلي يوسف وربنا يعلم باللي شوفتو، طلعلي حازم كأنه طوق نجاة. راجل طالع نازل يراعي ربنا فينا، حنين على الواد، وبيحلف بأيمانات الله إنه مش عايز غير يستر عليا ويبدالي حياه جديدة. ثلاث شهور جواز كنت شايفاه فيهم ملاك، أتريه بيمثل دور البطولة في مسرحية رخيصة عشان يوصل للمحفظة!
المشكلة إن كلامه طير العقل.. فلوس إيه وورثة دهب وأراضي إيه اللي بتكلم عليها؟! طارق جوزي الله يرحمه كان موظف على باب الله، مات وما حيلتوش غير القرشين اللي طلعو من التامين وجمعتهم عشان مصاريف يوسف. ورثة إيه دي اللي بيتكلم عنها وثقته دي جايبها منين؟!
ركبت توكتوك وأنا إيدي بتتشرشح من الرعب، وقلت للسواق يوديني بيت أبويا في منطقة الوراق. طول الطريق وأنا ماسكة التليفون وإيدي بترتعش، مش عارفة أعمل إيه. لو واجهته هيعمل إيه؟ ولو هربت هيروح فين؟
وصلت بيت أبويا، فتحتلي أمي وهي مخضوضة:
* «في إيه يا منار؟! مالك يا بت نص الليل ويا عيني الواد نايم على دراعك كده ليه؟!»
دخلت وقعدت على الكنبة والدموع نازلة زي المطرة، حكيت لأمي ولأبويا اللي سمعته بالنص. أبويا مسك دماغه وقعد يضرب كف بكف، وأمي صرخت بصوت واطي:
* «يا مري! ده طلع تعبان مالي هدومه! بس فلوس إيه يا منار؟ هو طارق الله يرحمه كان شايل معاكي حاجة إحنا منعرفهاش؟»
رديت وأنا بنهج: «والله العظيم يا أمي ما حيلتي غير الـ 50 ألف بتوع التامين في البنك! ده بيقول أراضي ودهب.. ده واثق من كلامه أكنه ماسك مستندات في إيده!»
هنا أبويا قام وقف، وبصلي بقلة حيلة وقال: «الموضوع ده فيه إنَّ.. حازم مش مجرد طمعان، حازم عارف حاجة إنتي بنفسك مش عارفاه يا منار. طارق جوزك الله يرحمه قبل ما يموت بأسبوع، جاني هنا الشقة وكان شايل شنطة سودا حديد صغيرة، وقال لـ أمك شيلوها عندكوا لغاية ما أطلبها.. ولما مات في الحادثة إحنا نسينا الشنطة خالص من كتر الصدمة!»
جسمي قشعر.. قمت وقفت زي المجنونة: «شنطة إيه يا بابا؟! هي فين الشنطة دي؟!»
أبويا دخل الأوضة الجوانية، وطلع من تحت السرير شنطة حديد قديمة، مقفولة بقفل رقمي. قال لي: «طارق قال لي بلاش تفتحيها يا عمي غير لما يوسف يكمل 21 سنة.. بس أنا شايف إن السر كله هنا».
حاولنا نفتح القفل، جربنا تاريخ ميلاد طارق، تاريخ جوازنا، تاريخ ميلاد يوسف.. وفلقت! القفل اتفتح وصوت اللسان بتاعه وهو بيترفع كان زي صوت إنذار بحريقة هتقوم.
فتحت الشنطة.. وإللي شوفتو جوة خلاني أتنح، وعقلي طار مني خالص!
جوة الشنطة مكنش فيه لا دهب ولا فلوس.. كان فيه:
* عقود ملكية لثلاث عمارات في منطقة التجمع الخامس باسم طارق!
* دفتر توفير في بنك أجنبي باسم يوسف ابني فيه مبلغ يطير العقل!
* والأهم من ده كله.. صورة لـ حازم جوزي الحالي، مع طارق جوزي القديم، ومكتوب ظهرها بخط إيد طارق:
“لو حصلي حاجة، اعرفي إن حازم هو اللي ورا كل حاجة.. حازم مش صاحب عمري، حازم هو الكابوس اللي بيطاردني”.
صرخت وحطيت إيدي على بقي.. طارق ماماتش قضاء وقدر! وحازم متجوزنيش عشان ، حازم اتجوزني عشان يوصل للشنطة دي اللي طارق خباها عنه قبل ما !
#الكاتب__رومانى__مكرم__
وفجأة.. وقبل ما أستوعب البلاوي دي كلها، تليفوني رن.
كان رقم حازم..
رديت وأنا حاسة إن خطوتو الجاية على رقبتي، جه صوته في التليفون هادي، بارد، ومرعب لدرجة تقشعر البدن:
* «إيه يا منار؟ مشيتي ليه من غير ما تقولي؟ طب على العموم.. افتحي شباك صالة بيت أبوعلي عشان تشوفي حاجة هتعجبك قوي تحت العمارة».
جريت على الشباك وفتحت الستارة.. ولقيت…
تحسرت نفسي، وسقطت الستارة من إيدي وأنا شايفاه واقف تحت العمارة، ساند على عربيتو وبيشاورلي بإيده والتليفون على وذنه، وشفايفه اترسمت عليها ابتسامة خبيثة ومستفزة! والأنكى من كده، إنه مكنش لوحده.. كان واقف جنبه راجلين أجسادهم زي الضلف، وعيونهم متسلطة على مدخل العمارة.
رجعت لورا خطوتين وأنا ركبي بتخبط في بعضها، التليفون كان هيقع من إيدي، وصوته جه في السماعة أشد برودة من الأول:
* «شفتي بقى يا حلوة؟ فاكرة إنك لما تتسحبي زي الحرامية وتجري على بيت أبكي هتهربي مني؟ أنا من يوم ما اتجوزتك وأنا خطوتك محسوبة عليا بالثانية. انزلي بالشنطة يا منار.. الشنطة اللي طارق عماكي عنها وعمل فيها بطل، بدل ما اطلع أخدها بطريقتي، وساعتها أبوكِ الراجل العجوز ده مش هيستحمل قسوة إيدي».
قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، وعرق سقعان نازل على وشي. أبويا مسكني من دراعي وشهق:
* «فيه إيه يا منار؟! مين اللي تحت؟»
قلت له بصوت متقطع ومكتوم:
* «حازم يا بابا.. حازم تحت العمارة ومعاه بلطجية! عارف إن الشنطة هنا، وعارف كل حاجة.. طارق الله يرحمه ماماتش في حادثة، طارق عشان الشنطة دي وعقود التجمع!»
أمي لطمت على وشها وبقت تترعش، وأبويا عينيه زغللت من ، بس مسك نفسه وبص للشنطة اللي مفتوحة على الترابيزة. الورق اللي فيها يغير حياة عيلة كاملة، والصورة اللي فيها بخط طارق كانت الدليل الوحيد اللي يودي حازم حبل .
أبويا جري على باب وقفل الترباس والحزام الحديد، وقال بصوت حاسم:
* «مفيش نزول، ومفيش حد هيلمس شعرة منك ولا من الواد طول ما أنا فيا نفس.. كلمي الشرطة يا منار بسرعة!»
مسكت التليفون عشان أتصل بـ 122، وإيدي بترتعش، بس قبل ما صباعي يلمس الشاشة، النور انقطع عن الشقة كلها!
الضلمة كتمت على أنفاسنا، وصوت يوسف ابني صحي من النوم وفضل يعيط وهو خايف من الضلمة. جمدت في مكاني، وعرفت إنهم قطعوا كابل الكهربا العمومي بتاع الشقة من بره.
وفجأة.. سمعنا خبط خفيف على باب الشقة!
مش خبط بعنف.. لا، ده كان خبط بانتظام وهدوء يرعب النفس، وبعدها جه صوت حازم من ورا الباب مباشرة، كأنه واقف ملازق للحديد:
* «افتح يا عمي.. بلاش تعمل فيها بطل في السن ده. طارق الله يرحمه عمل فيها شجاع وزمانه تحت التراب. أنا مش عايز أذيتكم، أنا عايز الورق والـ USB اللي جوه البطانة.. هاتي الشنطة يا منار وخدوا والفلوس وعيشوا مستورين، بدل ما الشقة دي تقلب الليلة».
كلمة “الـ USB اللي جوه البطانة” نزلت عليا زي الصاعقة!
أنا وماما وبابا بصينا للشنطة في الضلمة، على نور كشاف التليفون الضئيل. حطيت إيدي جوة الشنطة الحديد، وبقيت أدور وأفرس في القماش المتخيط في الجوانب.. لحد ما صباعي لمس حاجة ناشفة ومستطيلة صغيرة، متخيطة بمهارة جوة البطانة السفلية!
شديت الخياطة بأسناني وطلعتها.. فلش فلاشة صغيرة (USB) سودة.
طارق مكنش بس سايب عقود وصورة.. طارق كان سايب التسجيلات والمعاملات اللي تتدين حازم وتكشف شبكة غسيل الأموال والنصب اللي كانوا شغالين فيها سوى قبل ما يختلفوا، وحازم يقرر يتخلص منه!
أبويا قرب من الباب وقال بصوت جهوري بيحاول يداري بيه خلوفه:
* «امشي من هنا يا حازم بدل ما ألم عليك المنطقة! الشارع مليان ناس وما هسيبكش تاخد حاجة!»
ضحك حازم ضحكة عالية من ورا الباب وقال:
* «منطقة إيه يا راجل يا طيب؟ بص من خرم الباب كده.. تشوف شباب المنطقة بتوعك فين».
أبويا بصل من خرم الباب، ووشه اصفرّ زي الليمونة.. حازم كان جادب معاه رجالة مسيطرين على مدخل العمارة، وجيران العمارة أغلبهم كبار في السن أو ساكتين من الخوف.
حازم كمل بصوت واطي وخبيث:
* «قدامكم خمس دقائق.. لو الباب ده مأتفتحش والشنطة خرجت بالـ USB، هولع في باب الشقة ببديل بنزين، وساعتها اطلعوا بقى ورونا إزاي من الدور الرابع!»
قلبي كان بيموت في الدقيقة ألف مرة.. يوسف ابني ماسك في جلابيتي وبيرتعش، وأمي بتصلي وبتبكي في سرها، وأبويا واقف مش عارف يتصرف.
نظرت للفلاشة اللي في إيدي.. وعرفت إن اللعبة دي كبرت أوي، وإن حازم مش هيسيبنا أحياء حتى لو أديناله الشنطة، لأنه عارف إننا قرينا الورق وشوفنا الصورة!
قربت من أبويا ووشوشته في وذنه:
* «يا بابا.. حازم لو أخد الشنطة هيقتلنا كلنا عشان يداري على .. الحل الوحيد إننا من باب السطوح!»
أبويا بصلي باستغراب:
* «سطوح إيه يا منار؟ السطوح مقفول بجدول وسلسلة من أسبوعين عشان الشتاء!»
قلت له وأنا بأخد نفَس عميق والدموع في عيني:
* «أنا معايا مفتاح السطوح القديم في ميداليتي.. هنطلع السطوح ومنه لسطح العمارة المجاورة، بس لازم نلهيه هنا الأول!»
في لحظتها.. سمعنا صوت كبريت بيترش، وريحة بنزين نفاذة بدأت تتسرب من تحت عقب الباب!
#الكاتب__رومانى__مكرم__




