
في مساء اليوم التالي، شعرت مريم بآلام مخاض خفيفة بدأت تتزايد بالتدريج. كانت تعلم أن الساعات المقبلة هي ساعات الولادة. طرقت باب الغرفة وأخبرت حسام بالآلام، فقام بسرعة وحمل حقيبة المستشفى وأوصلها إلى السيارة.
وصلت السيارة إلى المستشفى الاستثماري الكبير الذي كان حسام قد اختاره بنفسه وسدد تكاليفه بالكامل مسبقاً، وهو أمر كان قد أثار استغرابها وقتها، إذ أصر على طبيبة معينة وعلى جناح خاص في أقصى الممر.
تم إدخال مريم إلى غرفة التجهيز للولادة. كانت الآلام تشتد، والجهد الإرهاقي ينال منها، لكن عقلك كان مشتغلاً بالخوف مما يسعى إليه حسام. استغلت خروج الممرضة لثوانٍ، وقررت أن تخرج لتبحث عن الطبيبة وتؤكد عليها برفشها التام لأي إجراء طبي غير الولادة.
خرجت مريم تتكئ على الجدار، تمشي بخطوات ثقيلة ومؤلمة في الممر الهادئ الخالي تقريباً من الحركة. وعندما اقتربت من مكتب الطبيبة المظلم قليلاً، سمعت صوت حركة بالداخل.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
كان الباب موارباً بضع سنتيمترات. أوشكت على الدفع والدخول، لكنها توقفت في مكانها كالمصنومة عندما سمعت صوت حسام المنخفض، الصارم والواثق، وهو يتحدث مع الطبيبة في العتمة:
* “يا دكتورة أنا دفعتلك كل اللي طلبتيه وزيادة.. زي ما اتفقنا، أول ما تفتح القيصري وتطلع الولد، تعملي الربط فوراً وتكتبي في التقرير إن كان في ضرورة طبية ملحة لإنقاذ حياتها، مش عايزها تعرف أي حاجة ولا تشك في حاجة أبداً..”
وقفت مريم خلف الباب الموارب، تتسع حدقتاها مع كل كلمة تفوه بها حسام. بدا الصوت الدافيء الذي ألفته لعام كامل كأنه غريب عنها، مجرد قناع سقط ليحله صوت غريب، بارد، ومحسوب بدقة شيطانية. شعرت ببرودة تسري في أطرافها تجمدت معها الدماء، واختفى ألم المخاض لثوانٍ معدودة تحت وطأة الصدمة. كانت يدها المستندة على الجدار ترتجف بشدة، بينما استمر صوت الطبيبة بالداخل، متوتراً ومتردداً:
بس يا أستاذ حسام.. دي أمانة طبية، والعملية دي بدون موافقة صريحة ومكتوبة من المريضة نفسها تمثل جريمة ممكن تخسرني مهنتي! غير إنها لسه صغيرة، والتزوير في التقرير الطبي مش بالسهولة دي لو هي شكت وفتحت تحقيق..”
قاطعها حسام بنبرة حاسمة، وصوت حفيف أوراق نقود أو شيك يُسحب بصرامة:
* “محدش هيحقق ولا يشك.. مريم بتثق في كلام الدكاترة أعمى، ولما تقرأ إن كان فيه خطورة على حياتها وأن الرحم كان معرض للانفجار، هتبكي وتشكري إنك أنقذت حياتها. المبلغ اللي على الطاولة ده ضعف أجر العملية مرتين، والنص التاني هيوصلك أول ما أستلم التقرير المزيف بالحالة. أظن الاتفاق كان واضح من الأول، ومش حابب أسمع تردد دلوقتي.”
ساد الصمت لثخانات من الثواني، صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاس مريم المتلاحقة وهي تحاول ألا يصدر عنها أي صوت. ثم جاء صوت الطبيبة خافتاً، مسلوب الإرادة تحت بريق المال:
* “تمام.. ادخل أنت الاستراحة، وأنا هجهز غرفة العمليات.”
انسحبت مريم إلى الخلف بخطوات هادئة ومبتعدة بساقين تخوران كأنهم قُدا من زجاج. كانت دواخلها تغلي بمزيج حارق من الغضب، الخيانة، والرعب. لم يكن الأمر مجرد رغبة من حسام في عدم الإنجاب، بل كان مؤامرة دنيئة تُحاك ضد جسدها وحقها في الأمومة بدم بارد، وتواطؤ من أطباء باعوا ضمائرهم.
عادت إلى غرفة التجهيز قبل أن تلمحها الطبيبة أو الممرضات. جلست على طرف السرير الإستثماري الفاخر، تلهث والدموع تنهمر على خدها كالشلال، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع الغضب المفاجئ الذي يستنهض أقصى درجات حذر الإنسان دفاعاً عن حياته. تساءلت في سرها: “ليه؟ ليه بيعمل كل ده؟ إيه السر المظلم اللي يخليه يشتري صمت دكتورة ويزور تقرير عشان يقطع عقبي لل أبد؟”



