
إيه اللي إحنا عرفناه عنها.
والأغرب إن بعدها بيومين، وأنا بفتح درج قديم في الصالة، لقيت ورقة تخص ملكية الشقة ناقصة من الملف.
ولما سألت جوزي عنها، بص لي للحظات وقال
ماما قالت لك إيه عن الورقة دي؟
ساعتها عرفت إن الموضوع ماكانش عن كلام أهلي علينا
كان فيه حاجة حماتي خاېفة أهلي يعرفوها من الأساس.
بصيت لجوزي للحظة، وقلبي دق بسرعة ما كنتش أحسّه من زمان. كلامه ده جابلي ړعب مش عاديلأنه ما سألنيش إيه الورقة دي؟ ولا ليه بتسألي؟، لأ هو سألني مباشرة ماما قالت لك إيه عن الورقة دي؟ كأنه عارف إنها اللي خدتها، وكأنه مستني أعرف الحقيقة كلها.
قلت له بصوت هادي ومتردد
هي الورقة اللي ناقصة من ملف الشقة، ورقة الملكية القديمة إنت بتقول إن ماما اللي خدتها؟
جوزي غمض عينيه وشدّ على شعره بيده، وقعد
على الكنبة كأنه حمل عليه جبل. سكت دقائق طويلة، ما كانش عايز يتكلم، وأنا قاعدة قدامه مستنية، كل دقيقة بتمرّ بيها بتبدو كأنها ساعة. لحد ما رفع راسه وبص لي بعينيه اللي كان فيها خزي وقلق وقال
يا ريتك ما وصلتي للمرحلة دي يا سارة يا ريتك ما كشفتي حاجة كنت حاول أخفيها عنك من أول يوم.
قلت له بصوت بدأ يعلو شوية
أخفيها ليه؟ وإيه الورقة دي أصلاً؟ وليه هي خاېفة أهلي يعرفوها لدرجة كل ما أرجع من عندهم تسألني بنفس السؤال؟ إحنا في سرّ إيه هنا؟
تنهد بعمق وبدأ يحكي، وصوته كان تقيل ومكسور
الشقة دي يا سارة ما كانتش ملكي من الأساس. كانت ملك أبوي الله يرحمه. لما ماټ، هي اتسجلت باسمي بس، لكن كان فيه شرط في الوصية ما حدش يعرفه غيري وماما. أبويا كتب في ورقة منفصلة إن الشقة تبقى ليّ طول ما أنا عايش، ولما أموت تروح كلها لأخويا الكبير اللي كان مسافر بره مصر من زمان وإن ماما تعيش فيها طول حياتها وما تخرجش منها. الورقة اللي لقيتها ناقصة دي كانت نسخة تانية من الوصية كاملة، اللي فيها الشرط ده مكتوب بخط أبويا وتوقيعه.
اتفاجئت وقلت
يعني إيه؟ يعني الشقة مش بتاعتك بالكامل؟ وإن أخوك يقدر ياخدها مننا في أي وقت؟
مش في أي وقت بس لما ماما ټموت، أو لما هو يقرر يرجع ويطالب بحقّه. والمشكلة الأكبر أبويا كتب كمان في نفس الوصية إنه لو اتضح إن الشقة بتباع أو بتتنقل لحد تاني غير أفراد العائلة، الملكية كلها تروح للجمعية الخيرية اللي هو كان بيتبرع ليها طول حياته. وما حدش يأخذ منها حاجة.
قعدت أستوعب الكلام ده، ودماغي كانت بتدور. سألتوه
وعلاقة ده بأهلي إيه؟ وليه هي خاېفة يعرفوا؟
هنا جوزي سكت شوية، وبدا يتكلم ببطء وكأنه بيجرّ كل كلمة قبل ما يخرجها
لأنك يا سارة لما جيت نعرف على بعض واتكلمنا في الجواز، أبوكي كان سألني عن الشقة، وقلت له إنها ملكي بالكامل، مفيش فيها شريك ولا شرط. وماما كانت معايا في اللحظة دي وسمعتني. وما ردت عليا وقتها، بس بعد كده قالت لي إن ده غلط، وإن لازم نصحّح الوضع. لكن في الحقيقة هي كانت خاېفة إن أبوكي يطلب يكتب الشقة باسمك أو باسمينا مع بعض بعد الجواز، زي ما بيعملوا كتير من الناس عشان يضمنوا حق بنتهم. ولو حصل ده الشقة تروح للجمعية الخيرية، وأخويا يخسر كل حاجة.
قلبي اتقبض. قلت له
يعني كل ما كانت بتسألني قالولك إيه عننا؟ كانت تقصد أبوكي طلب منك حاجة بخصوص الشقة؟ أخوكي قالك نكتبها باسم سارة؟ أمك عرفت الحقيقة؟
بالظبط. هي كل مرة تروحي عندهم، پتخاف إن يكون أبوكي حكالك حاجة، أو إنهم فهموا الحقيقة من غير ما نقول، أو إنك إنتِ بدأت تشكّي وتسأليهم. وكل ما أسألها ليه پتخافي كده، تقول لي أهلها ناس أصحاب، بس لما يعرفوا الحقيقة مش هيسكتوا، وهيطلبوا حق بنتهم، وحق بنتي وحق أخوك اللي جاي من بره يتضيع. وكنت أقول لها سارة بنت ناس وأهلها أكرم ناس، مش هيطلبوا حاجة مش ليهم. بس هي كانت خاېفة أوي، وكل يوم الخۏف بيزيد معاها لحد ما بقيتي تحسي إنها في حالة ړعب مستمر.
وقفت من مكاني ومشيت شوية في الصالة، وعقلي بيحاول يربط كل الخيوط ببعضها. سألتوه
وين الورقة الأصلية؟ والنسخة اللي خدتها امك؟
الأصلية
في خزنة المحامي بتاع أبويا. والنسخة اللي كانت هنا خدتها من الدرج عشان تتأكد إنها في مكان آمن، وقالت لي إنها خاېفة إنك تشوفيها وتفهمي كل حاجة من غير ما نكون جاهزين نحكي لك.
جاهزين؟ يعني كنتو مخبّين عليا الموضوع ده كلو من أول الجواز؟
بص لي بخجل وقال
حاولنا نقول لك كتير مرات. بس كل مرة نبدأ، ماما تترجاني ما أتكلم، تقول لي الوقت مش مناسب، وتقول لي إنك ممكن تسيبيني لو عرفتي. وأنا كنت كنت ضعيف قدامها، وخاېف أخسرك، وخاېف أخسرها، وخاېف الشقة تضيع. فسكتّ. وسكوتي طال لحد ما بقى صعب أتكلم.
ساعتها سمعنا صوت الباب بيفتح. هي جت.
دخلت حماتي الشقة وشافتنا قاعدين كده، وعيوننا حمراء، والجو كله غريب. وقفت عند الباب، وبصت لنا بقلق، وبعدين بصت لجوزي وقالت له مباشرة
قلت لها؟
ما ردّش هو. وأنا اللي رديت بصوت واصل ليها
أيوه يا ماما، قلت لي. قلت لي كل حاجة عن الشقة والوصية والشرط اللي كنتو خابينه عليا.
وشها اتغير لونها، وحطت الشنطة من يدها على الكرسي، وقعدت على أقرب كنبة كأن رجليها ما شالتش جسمها. سكتت دقائق، وبعدين نزلت دمعة من عينها وقالت بصوت مهزوز
ما كنتش عايزة أخدعك يا بنتي والله ما كنتش. كنت خاېفة. خاېفة على ولدي، وخاېفة على مستقبله، وخاېفة الشقة اللي تعب فيها أبوه كتير تضيع في لحظة. أبوكم كان راجل صالح، بس كان حازم في وصيته، وما فهمناش إلا بعد ما ماټ إن الشرط ده ممكن يدمرنا كلنا. كنت كل ما تروحي عند أهلك أحسّ قلبي بيقع في رجليا، أقول الحقّ، الحقّ عرفوا، وهم جايين ياخدوا حقّ بنتهم، ونبقى إحنا في الشارع. كل ما أسألك قالولك إيه عننا؟ ما كنتش بسأل عن كلام كنت بسأل عرفوا الحقيقة؟ وهيسامحونا؟
قربت منها شوية، وما كنتش عايزة أكون قاسېة عليها، بس كنت لازم أتكلم
يا ماما، المشكلة مش في الوصية ولا في الشقة. المشكلة إنكم خدعتوني. لو كنتو قلتولي من الأول، كنت فهمت. أهلي ناس بيتقوا ربنا، وما حدش فيهم بيفكر ياخد حاجة مش بتاعته. بس لما تحطّوا في دماغكم إننا أعداء وإننا جايين ناخد منكم، بدأتوا تتصرفوا كأننا فعلاً أعداء، وده اللي خلى بينا الحواجز دي كلها.
رفعت راسها وبصت لي وقالت




