
وقفت قدام الست وأنا مش قادر أتحرك.
كنت ببص لها، وبعدين لأبويا، وبعدين لمريم، وحاسس إن كل وش قدامي اتحول للغز.
الست كانت واقفة تحت المطر، هدومها بسيطة، وشها شاحب، وشعرها الأبيض ملزق في جبينها.
قالت تاني
علي… أنا أمك.
ضحكت.
مش ضحكة فرح.
ضحكة واحد عقله رفض يصدق اللي بيسمعه.
أمي رحلت من عشرين سنة.
الست دموعها نزلت.
عارفة.
إنتِ مين؟
أنا سعاد.
أبويا حاول يتحرك من العربية.
ندى مسكته.
اهدى يا حاج.
بصيت لأبويا.
كان بيبص للست كأنه شاف شبح.
قلت
بابا… تعرفها؟
أبويا غمض عينه.
دموعه نزلت.
هز راسه.
أيوه.
هنا مريم ضحكت.
كنت مستنية اللحظة دي من زمان.
لفيت لها.
إنتِ عارفة الست دي؟
أكتر منك.
يعني إيه؟
يعني إنك طول عمرك عايش في خدعة، وأنا طول عمري عارفة.
قربت منها.
إنتِ عملتي إيه في حياتي؟
مريم ردت بهدوء
أنا؟ ولا اللي ربّاك؟
حسام قال
مريم كفاية.
لفت له.
إنت مالك؟
إحنا اتفقنا ما نأذيش حد.
ضحكت.
إنت لسه فاكر إننا في اتفاق؟
مروان كان واقف بعيد.
قال
مريم… خلاص.
بصت له.
إنت بالذات متتكلمش.
أنا صرخت
حد يفهمني!
الست قربت.
مدت إيدها.
تعالى يا ابني.
رجعت خطوة.
ما تقربيش.
إيدها نزلت.
قالت
من حقك.
إنتِ فين من عشرين سنة؟
كنت عايشة.
وليه سبتيّني؟
سكتت.
ردي!
قالت
عشان أبوك قال لي لو فضلت جنبك، هيموتك.
بصيت لأبويا.
إيه؟
أبويا غمض عينه.
سعاد كملت
كان عنده أسباب.
صرخت
أسباب إيه؟!
لأنك ما كنتش ابنه.
سكت الجميع.
المطر كان بينزل.
صوت العربيات على الطريق اختفى من وداني.
ما سمعتش غير الجملة دي.
ما كنتش ابنه.
قربت من العربية.
مسكت بابها.
يعني إيه؟
سعاد قالت
أبوك اللي رباك… مش أبوك الحقيقي.
بصيت لأبويا.
قول لها إنها كاذبة.
أبويا ما ردش.
قول لها!
رفع عينه ليا.
وكان في عينه انكسار عمر كامل.
هز راسه.
لأ.
مش كاذبة.
أنا رجعت خطوة.
مين أبويا؟
سعاد بصت لمريم.
مريم قالت
هنا بقى الجزء اللي أبوك كان خائف منه.
حسام قال
مريم، بلاش.
ليه؟ خائف على علي؟
وبصتلي.
أبوك الحقيقي كان اسمه كامل.
اتجمدت.
الاسم كان مألوف.
حاولت أفتكر.
مروان كان بيبص للأرض.
ندى كانت ساكتة.
قلت
كامل مين؟
سعاد ردت
كامل منصور.
جسمي كله انتفض.
أنا أعرف الاسم.
كل صاحب معرض موبيليا في دمياط يعرفه.
كامل منصور كان واحد من أكبر تجار الأخشاب في المنطقة.
وكان شريك أبويا زمان.
وكان رحل في عربية قبل حوالي تلاتين سنة.
بس اللي محدش يعرفه…
إنه كان أقرب إنسان لأبويا.
وأقرب إنسان لأمي.
بصيت لسعاد.
إنتِ كنتِ متجوزة كامل؟
هزت راسها.
لأ.
أمال؟
أمك كانت متجوزة أبوك.
بصيت لأبويا.
وأبويا الحقيقي؟
سعاد قالت
كامل كان حب عمري.
سكتت.
وحملت منك.
الهواء خرج من صدري.
وأنا؟
إنت ابنه.
بصيت لأبويا.
وأنت كنت عارف؟
أبويا بكى.
هز راسه.
أيوه.
يعني ربيتني وأنا مش ابنك؟
أبويا حاول يمد إيده.
بعدت عنه.
متلمسنيش.
إيده وقعت.
إنت كنت عارف كل ده؟
هز راسه.
وليه؟
ما قدرش يتكلم.
سعاد قالت
عشان كان بيحبك.
ضحكت بمرارة.
بيحبني؟
آه.
كدب عليا تلاتين سنة.
كان خائف عليك.
من مين؟
سكتت.
مريم قالت
من الحقيقة.
في اللحظة دي، حسام قرب.
قال
علي، لازم تمشي معانا.
بصيت له.
ليه؟
لأن الموضوع أكبر من كل اللي عرفته.
إنت كنت شريكهم.
كنت.
يعني إيه كنت؟
أنا غلطت.
بعد إيه؟ بعد ما حاولت تؤذي أبويا؟
حسام اتعصب.
أنا ما حاولتش أقتل أبوك.
أمال مين؟
بص ناحية مريم.
مريم قالت
كفاية.
بصيت لها.
إنتِ؟
سكتت.
إنتِ اللي عملتي فيه ؟
قالت
أنا ما لمستوش.
بس عملتي إيه؟
واجهته بالحقيقة.
وبعدين؟
هو وقع.
وبعدها سيبتيه؟
سكتت.
ندى قالت
هي ما سيبتوش بس.
مريم بصت لها.
إنتِ اسكتي.
ندى ردت
أنا شفت كل حاجة.
مريم اتجمدت.
أنا بصيت لندى.
إنتِ شوفتي إيه؟
ندى قالت
يوم ما أبوك وقع، أنا كنت في الشركة.
مريم قالت
كاذبة.
أنا دخلت مكتبك بعد ما خرجتي.
مريم بصت لها.
إنتِ كنتي بتتجسسي عليا.
كنت بدور على الحقيقة.
ولقيتي إيه؟
ندى
قالت
لقيت أبوك على الأرض.
بصيت لأبويا.
إنتِ اللي لقيتيه؟
آه.
وليه ما بلغتيش؟
بلغت.
مين؟
مريم.
مريم سكتت.
ندى كملت
بس مريم قالت لي إنها هتتصرف.
وبعدين؟
بعد عشر دقايق، رجعت المكتب، لقيته مرمي لوحده.
أنا بصيت لمريم.
إنتِ سبتيه يرحل.
قالت
أنا كنت خائفة.
من إيه؟
من اللي كان هيحصل لو اتكلم.
فسبتيه؟
دموع ظهرت في عينيها.
أنا كنت صغيرة.
ضحكت.
صغيرة؟ إنتِ كنتِ في التلاتينات.
سكتت.
مروان قرب.
علي، لازم تعرف حاجة قبل ما تحكم.
قول.
مريم ما كانتش بتشتغل لوحدها.
عارف.
لأ. إنت مش فاهم.
أمال؟
كان فيه ناس أكبر منها.
بصيت لحسام.
حسام؟
حسام مجرد واجهة.
مين وراه؟
مروان بص لأبويا.
أبويا كان بيحاول يكتب.
ناولته الورقة.
كتب اسم.
شاكر.
قلت
مين شاكر؟
سعاد شهقت.
مروان قال
شاكر لسه عايش؟
ندى قالت
مين شاكر؟
سعاد قربت من أبويا.
شاكر كان شريك كامل.
أنا قلت
أبويا الحقيقي؟
آه.
يعني كان فيه اتنين؟ كامل وشاكر؟
سعاد هزت راسها.
كامل وشاكر وأبوك كانوا تلاتة شركاء.
في إيه؟
في أكبر شركة أخشاب في الدلتا وقتها.
وشاكر عمل إيه؟
سعاد قالت
هو اللي سرق الفلوس.
مروان أضاف
وهو اللي تسبب في رحيل كامل.
اتسمرت.
رحل في الحادثة؟
الحادثة ما كانتش حادثة.
الصمت رجع.
رجعنا للعربية.
مشينا ورا عربية مروان.
سعاد ركبت معايا.
ندى كانت جنب أبويا.
مريم وحسام اختفوا.
قالوا إنهم هيرجعوا لما نتكلم.
أنا ما كنتش مصدق أي حد.
وصلنا دمياط بعد ساعات.
المعرض القديم كان واقف في آخر شارع صناعي.
بوابة حديد.
تراب.
صالة كبيرة فاضية.
دخلنا.
سعاد قالت
أبوك كان بيخبي حاجات هنا.
إيه؟
حاجات كان خائف شاكر يلاقيها.
مروان فتح مخزن خلفي.
لقينا صناديق قديمة.
فتحنا أول صندوق.
ملفات.
صور.
تسجيلات كاسيت.
أوراق.
أبويا كان بيبص عليها.
ناولته ورقة.
هز راسه.
وبعدين أشار على جهاز قديم.
شغلت التسجيل.
صوت رجل طلع من السماعة.
صوت مبحوح.
لو التسجيل ده وصل لعلي، يبقى أنا غالبًا مت.
سكت.
الصوت كان صوت كامل.
قلبي خفق.
يا ابني… لو سمعت صوتي، اعرف إنك أغلى حاجة في حياتي.
بصيت لسعاد.
دموعها نزلت.
التسجيل كمل
أبوك اللي رباك راجل محترم، حتى لو أخطأ في حقك. وأنا السبب في إنك اتولدت في ظروف ما كانتش تنفع تحصل.
صوت كامل ارتعش.
شاكر كان عايز الفلوس كلها. وأنا رفضت. أبوك وقف معايا. لكننا اكتشفنا إن شاكر كان بيحول فلوس الشركة لحسابات بره.
مروان قرب.
التسجيل
ولما عرف إني هبلغ عنه، بدأ يهددني. قال لي إنه هيؤذيني ويؤذي سعاد وابني.




