روايات وقصص

لحم عمي ١ حكايات زهره

​خالي أمن على كلامها وقال: “آه والله، ربنا يكرمه ويوسع رزقه، ده بيجيبلنا كلنا ومغرقنا.”
وعمتي كملت: “ده حبيبي وأخويا، مش مخليني أحتاج أروح لجزار أبداً والله.”
​عمي كان عمال ياكل من طبقه، بيمضغ اللحمة باستمتاع، ومسح بقه بمنديل وقال بفخر : “طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا بإذن الله، مش هخليكم تحتاجوا تشتروا كيلو لحمة واحد من بره، إنتو لحمكم من .”
الكل قعد يدعيله من قلبهم، وهو كان في قمة سعادته.

​بعد ما خلصنا أكل، شلنا الصواني ونضفنا السفرة، وعملنا الشاي وبدأنا نشرب وإحنا بنتفرج على التليفزيون وبنضحك. بصيت لعمي ولقيته قاعد مرتاح ومبسوط، فقلت أهزر معاه وأثبتله إن كلامي كان صح.
قربت منه وقولتله بضحك ومكر: “إيه يا عمي؟ حاسس بحاجة وجعاك؟ معدتك فيها حرقان؟”
استغرب سؤالي وقالي وهو بيشرب الشاي: “أبداً والله يا بنتي، ده أنا أصح يوم ليا النهاردة، قعدتكم دي بتشفي العليل.”
​ضحكت بصوت عالي وقولتله: “أصل أنا عملت حاجة ومقدرش أنام وأنا مخبياها عليك.. بصراحة، اللحمة البلدي اللي إديتهاني

الحلة بتاعتها وقعت مني واتكبت، من اللحم الاسكتلندي بتاعنا اللي طبخناه لينا! الحمد لله أهو إن مجالكش معدة ولا حموضة ولا حاجة، وطلعت نفسية بس!”
​كنت مستنياه يضحك، أو حتى يشتمني بهزار… بس اللي حصل كان مرعب.
الكوباية وقعت من إيد عمي اتدشدشت على الأرض. وشه اللي كان بيضحك من ثانية، لونه .. بقى أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف كأنها هتخرج من مكانها، والدموع اتجمعت فيها بسرعة غريبة.
​

“إنتي… إنتي أكلتيني من بجيبهولكم؟!!”
​الكل سكت. . أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، ​الكل وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا عني بالعافية، وماما ​صوت ، متواصل .. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه،  الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها.

صوت الترجيع كان بيرج الحمام رج، كأن عمي بيلفظ مصارينه مش مجرد أكل. الخوف اللي كان في عينيه وهو نازل ضرب فيا وفي كل الموجودين، الصالة اللي كانت من شوية مليانة ضحك ودفا انقلبت لمأتم. خالي جري على باب الحمام يطلب منه يفتح، وماما كانت حاضناني وهي بتترعش ومش فاهمة ليه راجل ملو هدومه يتحول في ثانية لواحد مجنون بنت أخوه عشان أكلته من نفس اللحم اللي بيكرمنا بيه كل جمعة!

​حتى عمتي “فايزة” اللي كانت قاعدة معانا على السفرة ولسه واكلة من نفس الأكل، اتخضت وقامت تتكعبل في ، على : “في إيه يا عبد الصمد؟! جالك ولا إيه؟! ما إحنا كلنا بناكل أهو واللحم زي الفل!”. بس عمي ما كانش سامع حد.. لما خرج من الحمام، ما كانش عمي عبد الصمد اللي نعرفه. وشه كان أصفر زي ، شفايفه زرقا، نازلة من غير ما يبكي،

​زق خالي وعمتي بقلة حيلة، وبصلي أنا وماما بنظرة كلها كره وقرف يخوف، كأنه شايف قدامه . مشي في خطواته وخرج من ونزل على السلم يجري كأن  . اللي حصل ده ساب في بيتنا الغلبان علامة استفهام أتقل من الجبال. عمتي قعدت على الكنبة تلطم وتقول: “الراجل جرى لعقله حاجة؟ ده أكل طبق كامل وبعدها اتجنن! هو اللحم فيه حاجة ياناس؟!”، وماما ردت وهي بتعيط: “يا لهوي.. هو اللحمة دي فيها ايه وإحنا بناكلها بقالنا خمس سنين؟!”. الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة.. بقالنا خمس سنين بناكل منها!

​عمتي قعدت تجادل عن أخوها: “لا يا أم سيف متقوليش كده! ده عبد الصمد طول عمره خيره علينا كلنا، ده بيجيبلي أنا كمان في بيتي وبيغرقنا! يمكن عنده حاجة في معدته ولا جايلو جثوم!”. بس أنا طول الليل مانمتش. فكرة إن عمي يتقيأ بالغل ده، وتجيله ثورة الرعب دي أول ما عرف إنه أكل من “لحمتنا”، كانت بتقولي إن فيه سر أسود استخبى ورا الـ 15 كيلو لحمة بتوع كل جمعة.

​الشك كان بيحرق في قلبي. افتكرت اللحمة دي لما كانت تقع على الأرض، مبيجيش عليها نمل أبداً! وريحتها في الشوربة كانت دايماً متغطية ببهارات غريبة وعمرنا ما شفنا دهن طبيعي بيسيح منها. ثاني يوم الصبح، وماما نزلت تشتري طلبات وأخويا في مدرسته، لقيت رجلي بتاخدني لوحدها لمحل جزارة عمي في السوق.
​المحل كان مقفول بالضبة والمفتاح، وده مش عادته أبداً. سألت “عم حنفي” بتاع الخضار اللي جنب المحل: “هو عمي عبد الصمد ما فتحش النهاردة ليه يا عم حنفي؟”. بصلي بطرف عينه دخان الشيشة وقال حاجه غريبه جدا

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى