
كلماتها كانت خناجر بتغرز في قلبي، بصيتله هو وعشيقته كانهم اسره واحده واقف حاضنها من وسطها وشايل بنتها و الهدايا قدامهم والناس ملمومه حواليهم وانا وبنته بقينا متفرجين والقهره كسره قلبى لكن اللى عملته معاه بعد كده كانت الصدمه
مسحت دموع فريدة بإيدي اللي كانت بترجف من شدة القهر، وقفت على حيلي ونفضت عن كتافي أي أثر للضعف. الوجع اللي كان في عين بنتي حرق آخر ذرة تردد جوايا، وحوّل الحزن لنار باردة مش هتنطفي إلا بردّ اعتبارها قدام نفس الناس اللي اتجاهلوها. مسكت إيد فريدة ومشيت بيها بخطوات واثقة وصوت كعبي بيضرب في الأرض بثبات يلفت الانتباه، متجاهلة تماماً نظرات الشفقة العابرة.
طلعت درجات المسرح الصغير بخفة وحسم. يوسف كان واقف تحت، ساند إيده بتملك على كتف الست التانية، والضحكة مالية وشه وهو بيتلقى التهاني. مريت من جنب المسؤول عن الصوت، ومديت إيدي وسحبت المايكروفون من على الحامل بجرأة خلت مهندس الصوت يتراجع خطوة لورا من هيبة الموقف.
خبطت على المايك بصباعي خبطتين رنّوا في كل ركن من أركان القاعة، فانقطع الضحك، وسكتت الموسيقى الخلفية فجأة، والتفتت كل الرؤوس للمسرح. يوسف رفع راسه مخضوض، وملامحه بهتت لما شافني واقفة وماسكة إيد فريدة تحت الأضواء.قربت المايك من شفايفي، وبصوت هادي ورزين، لكنه شق صمت القاعة زي حد السيف، اتكلمت:
— “مساء الخير لكل الحاضرين… بعتذر لو قاطعت الاحتفال العظيم اللي بيقيمه الأستاذ يوسف المحترم على شرف البنوتة كارما. حبيت بس أشارك الحاضرين بحقيقة صغيرة تليق باليوم السعيد ده.”
عينه وسعت برعب، وساب الست اللي جنبه وخطى خطوة سريعة ناحية المسرح وهو بيحاول يبتسم بابتسامة مصطنعة وقال بصوت واطي ومبحوح: “انزلي يا مجنونة، بلاش فضايح هنا!”
كملت كلامي ونبرة صوتي بتزيد قوة وثبات، وبصيت في عين كل أم وأب في الصالة:
— “الأستاذ يوسف اللي عازم حضراتكم كلكم وبيدفع بسخاء عشان فرحة ‘كارما’، وبيمثل دور الأب الحنون اللي ضحى بكل مواعيده وسفرياته عشان يحضر… يبقى في الحقيقة جوزي، وأبو البنت اللي واقفة جنبي دي، فريدة. بنته اللي قفل السكة في وشها وهي بتترجاه يحضر تخرجها وقال إنه مسافر ومش فاضي، بنته اللي استخسر فيها اللعبة اللي في إيد كارما وقالها مش هدفع مبالغ هايفة في لعب عيال!”القاعة كلها شهقت في نفس واحد. الهمهمات اتفرقت في المكان، وبدأت نظرات الانبهار بالراجل الكريم تتحول لنظرات احتقار واشمئزاز بتبص عليه وعلى الست اللي اتسمرت مكانها ووشها اتقلب أصفر من الرعب والفضاحة، وبقت بتحاول تخبي وشها ورا شعرها من عيون الأمهات اللي حاصروها بنظرات نارية.
يوسف اتجمد على أول درجة من درجات المسرح، وشه شاحب وعينيه بتدور في الصالة بعجز تام، مش قادر يدافع عن نفسه ولا ينكر حقيقة البنت اللي نسخة طبق الأصل من ملامحه.
بصيت له من فوق لتحت باحتقار كامل، ونزلت عيني على خاتم الجواز في إيدي، قلعته ببطء ورميته قدام رجليه على المسرح، وصوت سقوطه على الخشب رنّ في سكون المكان:
— “قدام كل الناس اللي حاولت تشتري برستيجك قدامهم بالكدب والتخلي عن ضناك… أنا وبنتك بنعلن إنك برا حياتنا للأبد. فريدة مش محتاجة أب زيك عشان تفرح، وأنا مش محتاجة راجل ملوش أمان في ضهري. يوسف… أنا بطلب الطلاق منك حالاً وقدام كل الحاضرين دول كشهود.”
سيبت المايك يزن على المسرح، ونزلت لمستوى فريدة، وشلتها على كتفي قدام عيون الكل.
الصمت المخيف اللي سيطر على القاعة انكسر فجأة بصوت تسقيف خافت من واحدة من الأمهات، وثواني وكان المسرح بيتهز بتصفيق حاد ومؤازرة من أولياء الأمور والمدرسين اللي وقفوا يعوضوا فريدة عن كل لحظة انكسار، بينما يوسف انكمش مكانه، غرقان في خزي وفضيحة عمره ما هيعرف يغسل عارها. خرجت بفريدة لبرة القاعة وأنا رافعة راسي، وعارفة إن النهاية دي كانت في الحقيقة أول خطوة في حياتنا الحقيقية.يوسف مالحقش يستوعب الصدمة، عروق رقبته نفرت من الغيظ، وطلع المسرح باندفاع وهو بيشد المايك من إيدي بعنف، وحاول يداري وشه المحروق بابتسامة صفرا مرتعشة وهو بيبص للناس اللي بدأت تتهامس بحدة:
— “يا جماعة متصدقوش الكلام ده! الست دي مريضة نفسياً وغيرانة وبتحاول تبوظ فرحة البنت وتعمل شو رخيص! أنا أصلاً منفصل عنها من شهور ودي طليقتي وبتحقد على حياتي الجديدة، والبنت دي حتى مش…”
قطع كلمته قبل ما يكمل قذارته، لكن نظرته كانت كافية تفضح نيته في التنصل من بنته عشان ينجي نفسه. بصيت له بابتسامة باردة كلها ثقة، ومديت إيدي للمسؤولة عن التنظيم والميس المشرفة على المرحلة اللي كانت واقفة جنب المسرح مصدومة وفاغرة بقها.قربت منها، وبصوت واضح وهادي سمعه يوسف والصفوف الأولى:
— “مس رانيا… من فضلك اطلعي هنا، وافتحي كشف الحضور وقايمة أسماء دفعة التخرج اللي في إيدك حالا. اقري قدام أولياء الأمور اسم بنتي فريدة كامل من واقع شهادة ميلادها، واقري اسم البنوتة كارما كامل واسم والدها المسجل عندكم.”
المشرفة ارتبكت وبصت للمديرة اللي شاورتلها بحزم إنها تطلع، الجو في القاعة بقى مشحون بطاقة حبست أنفاس الكل، حتى الأطفال سكتوا من هيبة الموقف. مس رانيا طلعت ووقفت جنب المايك بإيد بترتعش، فتحت الكشف المطبوع، ودورت بصباعها بين السطور بينما يوسف عينه بتجحظ برعب حقيقي وعرقه بينزل شلالات على قميصه الفاخر.
قربت الميس الورقة لعينيها وقالت بصوت مسموع في المايك:
— “الطالبة: فريدة يوسف أحمد التهامي… اسم الأب المسجل: يوسف أحمد التهامي.”
القاعة رجعت تتهامس وشهقات الأمهات عليت، لكن الضربة القاضية كانت في السطر اللي بعده لما قلبت الميس الصفحة وقالت:والطالبة: كارما شريف عبد الرحمن… اسم الأب المسجل: شريف عبد الرحمن، والأستاذ يوسف غير مسجل بصفة قرابة للطالبة.”
الكلمات نزلت زي صاعقة كهربية شلت يوسف تماماً. الست اللي معاه صرخت بصوت مخنوق وسحبت بنتها من إيدها وجريت وسط الممرات بتداري وشها والناس بتبعد عنها باشمئزاز وبيبصوا لها باحتقار معلن.
يوسف بقى واقف على خشبة المسرح كأنه عريان تماماً قدام مئات العيون، لسانه عجز عن نطق حرف واحد، والمايك اتزحلق من إيده ورن في الأرض بصوت عالي وجاف لخص حجم سقوطه المروع.
وطيت وشلت فريدة في حضني، رفعتها لفوق وبوست خدها والابتسامة رجعت تنور ملامحها البريئة بعد ما عرفت إن الحق ظهر، وفي اللحظة دي القاعة انفجرت بتسقيف حاد وهتافات تشجيع من المدرسين والأهالي اللي حاصرونا بدعوات ومباركات، وسابوا يوسف منبوذ ورا ضهرنا، غرقان في خزيه وفضيحته اللي عمر ما حد هينساها.
نزلت بفريدة من على درجات المسرح وسط ممر شرفي عفوي عملوه الأهالي والمدرسات، الناس كانت بتمد إيديها تطبطب على كتف بنتي، وواحدة من الأمهات سحبت من شنطتها باقة ورد صغيرة وعلبة شيكولاتة فاخرة ومدتهم لفريدة بابتسامة دافية: “ألف مبروك يا حبيبتي، إنتي أجمل وأشطر بنوتة اتخرجت النهاردة!”.
فريدة عينيها لمعت بفرحة حقيقية، حضنت الورد وضحكت بصوت عالي ملأ القاعة، صوتضحكتها كان كفيل يمسح أي أثر للخوف أو الانكسار اللي حسّت بيهم من دقايق.
على الجانب التاني، كان يوسف شبه مشلول، نزل من المسرح ورجليه مش شايلاه، الوشوش اللي كانت بتضحك له من شوية بقت بتبص له بقرف ونفور صريح، حتى الراجل اللي كان واقف يشاركه الضحك عند البوفيه لف ضهره ورفض يبص في عينه. لما حاول يقرب مننا ويمسك دراعي بعصبية وهو بيهمس بفحيح مكتوم: “انتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي باللي عملتيه ده؟ ورحمة أمي لـ…”
قبل ما يكمل جملته، اتدخل اتنين من أولياء الأمور بحزم ووقفوا حيطة سد بيني وبينه، واحد منهم زقه بخفة في صدره وقال له بنبرة صارمة: “الزم حدودك يا أستاذ واحترم المكان، كفاية اللي عملته لحد هنا وما تفرّجش الناس عليك أكتر من كده، اتفضل برا بهدوء بدل ما الأمن يخرّجك!”.
مديرة المدرسة شاورت لحراس الأمن، وفي لحظات كان اتنين من أفراد الأمن محاوطينه من الجنبين، بيقتادوه ناحية البوابة الرئيسية وسط عيون كل الحاضرين اللي تابعت خروجه كأنه منبوذ بيتطرد من مكان مش شبهه. كان ماشي موطي راسه، كتف مهدود، وغروره اتكسر قدام مجتمع كامل كان بيحاول يبني برستيجه المزيف على حساب طفلته.
خرجت بفريدة لساحة المدرسة في الهوا المفتوح، الشمس كانت دافية وكأنها بتطهرنا من كل السواد اللي عشناه جوه. بنتي رفعت راسها وبصتلي، عينيها صافية ومفيهاش دمعة واحدة، وقالتلي ببراءة:ماما.. إحنا خلاص مش زعلانين، صح؟”
نزلت لمستواها، بوست راسها بكل قوتي وابتسمت من قلبي لأول مرة من شهور طويلة:
— “ولا عمرنا هنزعل تاني يا روح ماما.. النهاردة إحنا الاتنين اتخرجنا، مش إنتي لوحدك.”مسكت إيد فريدة وخرجنا من باب المدرسة، كانت خطوتها خفيفة كأنها اتولدت من جديد، صوت زقزقة ضحكتها مع كل خطوة على الرصيف كان بينزل على روحي زي البلسم. وقفت تاكسي وركبنا، وقبل ما يتحرك طلبت من السواق يعدي على أكبر محل ألعاب في طريقنا.
دخلت المحل وأنا رافعة راسي، شلت فريدة وخليتها تلف بين الرفوف براحتها، مش بتدور على عروسة باليه عادية زي اللي استخسرها فيها أبوها، لأ، اخترنا سوا أكبر بيت عرايس ملون، وفستان أميرات كانت بتحلم بيه. دفعت تمنهم من تعبي وفلوسي الحلال وأنا حاسة برضا عمري ما دوقته قبل كده. الفرحة اللي شفتها في عيون بنتي وهي حاضنة علبتها وبتتنطط وسط المحل كانت تسوى الدنيا وما فيها.



