
انتي عينك من أخويا؟ ردي!”.شعرت بغصة مرة تسد حلقي، لكن دمعة واحدة لم تسقط من عيني؛ فالقهر في تلك اللحظة تحول إلى برود قاتل. نظرت في عينيه بثبات يكسر ضعفي، وقلت بصوت خرج هادئاً كالعاصفة: “أنا بنت ناس يا حازم، وأبويا رباني على الأصول اللي مسمعتش عنها في بيتكم النهاردة. لو كنت شاكك فيا بربع ذرة من كلام الحرباية دي، يبقى إنت متستاهلش حتى أرد عليك ولا أبررلك”.
جن جنون حازم من ردي، ورفع يده مرة ثانية محاولاً ضربي، لكن طارق ارتمى بيننا في جزء من الثانية ودفع أخاه بقوة جعلته يترنح إلى الخلف، صائحاً: “إياك تمد إيدك عليها تاني يا حازم! فوق لنفسك! انت هتصدق الشيطانة دي وتخرب بيتك بإيدك؟!”.تحول المشهد فجأة إلى اشتباك عنيف بين الأخوين؛ حازم أعمته نيران الغيرة وتصور الخيانة، وطارق يحاول كبح جماحه بالصراخ والدفع، وصوت تكسير الزجاج من طاولة القهوة يرن في أرجاء الصالة. استغلت سمر الفوضى وراحت تصرخ وتستغيث بالجيران وهي تردد: “الحقونا! البيت بيخرب والدم هيسيح!”.لم أنتظر ثانية واحدة إضافية وسط هذا الوحل.
دخلت غرفتي بخطوات ثابتة، أغلقت الباب بالمفتاح، وتجاهلت أصوات الصراخ والضرب في الخارج. سحبت حقيبة سفري الكبيرة من فوق الدولاب، وألقيت فيها ملابسي وأوراقي الرسمية وذهبي الذي اشتريته بمالي، ببرود لم أعهده في نفسي من قبل. لم أكن أبكي، بل كان قلبي يتقطع بصمت على أحلام خمسة أشهر دُفنت في دقائق بسبب فنجان قهوة وسوء ظن أسود. فتحت الباب وخرجت بالحقيبة، وكان الجيران قد اقتحموا الشقة وبدأوا يفضون النزاع بين طارق وحازم، الذي كانت أنفه تنزف وملابسه ممزقة. حين رأى الحقيبة في يدي، تجمد مكانه ونظر إليّ بصدمة، وصرخ بصوت مبحوح: “انتي رايحة فين؟
! والله العظيم لو رجلك خطت برة العتبة دي ما هتشوفي وشي تاني!”.وقفت عند باب الشقة، التفتت ونظرت إلى سمر التي كانت تبتسم بخبث متوارية خلف أحد الجيران، ثم نظرت إلى حازم بملامح تخلو من أي مشاعر، وقلت أمام الجميع: “وشك ده أنا مش عايزة أشوفه تاني أصلاً. اللي يمد إيده على مراته في أول موقف ويصدق فيها كلمة من غير دليل، ميبقاش راجل يُؤتمن على حياة. ورقتي توصلي على بيت أبويا يا حازم.. ومتقلقش، الحساب لسه مبدأش”.
خرجتُ ونزلت الدرج بثبات رغم ارتجاف ركبتي، متجاهلة نداءات طارق وصراخ حازم خلفي، لأخرج إلى الشارع المظلم وأنا أحمل في يدي حقيبة ملابسي، وفي صدري نية بالانتقام ورد الكرامة المسلوبة. خرجتُ إلى الشارع والرياح الباردة تصفع وجهي، لكنها لم تكن أشد قسوة من النار المشتعلة في صدري. كانت يداي ترتجفان وأنا أجر حقيبة ملابسي على الأسفلت المبلل بندى الليل، بينما عيون الجيران تطل من النوافذ بفضول قاتل ينهش في كرامتي.
وقفتُ في منتصف الطريق أتنفس بصعوبة بالغة، وكأن هواء المدينة بأكمله لا يكفي لملء رئتيّ المختنقتين. أوقفتُ سيارة أجرة بصعوبة، وألقيتُ الحقيبة في المقعد الخلفي ثم جلست، ولم أستطع حينها أن أمنع دموع القهر من الانهمار؛ بكت روحي على خمسة أشهر عشتها كخادمة مخلصة لبيت لا يعرف إلا الغدر والظلم، وعلى رجل ظننته سنداً، فإذا به أول من سدد الخنجر إلى خاصرتي وصدق كلام أفعى على شرفي. وصلتُ إلى بيت عائلتي قبل آذان الفجر بقليل. صعدتُ الدرج بخطوات متثاقلة، كأن كل درجة تحكي خيبتي.




