روايات وقصص

رجعت البيت بدري1

— أنا عملت جولة تسوية مالية وإدارية للبيت الأسبوع ده. نقلت ملكية البيت وحق التصرف فيه بالكامل لوقف خاص باسمي وبحراسة محامي العيلة، ومافيش أي كائن على وش الأرض يقدر يغير في عقوده ولا ينقل ملي منه من غير موافقة مجلس إدارة قانوني.
وأضفت وأنا ببص لسهير:
— وكمان أصل العقود القديمة اللي كانت في الخزنة هنا… اتنقلت للخزنة الأمان في البنك. يعني الورق اللي إنت جايبه ده يا أحمد… بلّه واشرب ميته.
الهدوء ساد الأوضة بشكل يخوف. أحمد وشه اتخطف، والدم هرب من خدوده. سهير وقفت فجأة، والطبق اللي كان في إيدها اتزهزح على الترابيزة.
أحمد اتقلب وشها وقال بصوت محشور ومتوتر:
— ندى… إنتِ بتقولي إيه؟ إيه الجنان ده؟ وقف إيه وتصرف إيه؟ إنتِ مش واثقة فيا؟
قمت وقفت بثبات، وبصيت له بكل قوة، وصوتي نزل بدرجة باردة ترعب:
— أثق في مين؟ في الراجل اللي بيقول لأمه “البقرة الساذجة دي بتقرفني بس البيت يساوي أكتر من الجوازة دي كلها”؟
الكلمات نزلت عليهم زي الصاعقة. أحمد بلم، عينيه اتوسعت من الصدمة، لسانه اتعقد وماعرفش ينطق بحرف. سهير حطت إيدها على صدرها وشفايفها بتمتم بكلمات مش مفهومة، وشها بقى أصفر زي الليمونة.
كملت كلامي وأنا بكرر الكلمات بثبات:
— أنا سمعتك يا أحمد. يوم الصداع… يوم ما رجعت بدري وكنت واقف ورا الحيطة وشايفك بتبيع وتشتري فيا وأمي بتشجعك. فاكرين إن ندى الهادية الطيب الساكتة هتسيبكم تاخدوا شقا أبوها وأمها وترموها في الشارع؟
أحمد حاول يقرب مني ويده بترتعش، وصوته بيتخنق:
— ندى… افهمي… والله الكلام ده كان… أنا كنت بساير أمي بس! والله العظيم بحبك! إنتِ فاهمة غلط!
سهير صرخت فيه: — اسكت يا خايب!
وبعدين بصتلي بعيون مالية بالغل وشالت قناع الطيبة خالص:
— بقا إنتِ بتتسحبي وتتسنتري علينا يا بنت الـ…؟ فاكرة نفسك ناصحة؟ أحمد ضيع معاكي ١١ سنة من عمره، ومن حقه يطلع بأي حاجة من البيت ده! مش هنسيبك تطلعي منها كسبانة!
ضحكت ببرود، ضحكة عالية رنت في صالة البيت:
— يمتلك إيه؟ هو دخل البيت ده بشدة هدومه، وهيخرج منه بنفس شدة الهدوم.
بصيت لأحمد وقلت له:
— قدامك ساعتين تلم فيهم كل هدومك وحاجتك الشخصية وتطلع بره البيت ده. التنازلات اللي كنت مستنيها… مش هتشوفها. وحسابات البنك المشتركة؟ أنقذت نصي منها وجمّدت الباقي بحكم قضائي مستعجل رفعته الصبح.
أحمد مسك راسي بإيديه، وعينيه دمعت، بس المرادي ماكانتش دموع ندم… كانت دموع الخسارة والفضحت:
— ندى… أرجوكي… بلاش تهدّي بيتنا عشان لحظة غضب… نتفاهم!
زقيت إيده بعيد عني بكل قسوة:
— بيتنا؟ البيت ده بتاع أبويا وأمي… البيت ده بالونس والضحكة، مش الخيانة والغل. بيتك الحقيقي هناك مع أمك… اتفضلوا بره.
سهير مسكت إيد ابنها بتجرّه وبتقول بغل:
— يلا يا أحمد… سيبها! هنشوف هتعمل إيه لوحدها من غير راجل يحييها! القوانين هتجيب لنا حقنا!
وقفت عند باب الشقة، وفتحت الباب على آخره.
— المحامي بتاعي هيتواصل معاك عشان إجراءات الطلاق يا أحمد. وما تقلقش… كل تسجيلات الكاميرات اللي حطيتها في الصالة الأسبوع ده… موجودة ومحفوظة لو حبّيت تجرب حظك في المحاكم.
خرجوا هما الاتنين، والباب اتقفل وراهم بصوت عالي هز أركان البيت.
وقفت في نص الصالة لوحدي. الريحة كانت لسه ريحة قهوة وياسمين… بس المرة دي، المكان كان نضيف.
إيديا ماكانتش بترتعش. تنفست لأول مرة من سنين ونفسي طالع صافي ومستقر.
خرج… واللعبة الحقيقية يلا هتبدأ.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى