روايات وقصص

انجي الخطيب

“إنتِي مش معزومة يا مريم، وأنا معنديش أكل يكفيكي إنتِي والعيال!” قالت حماتها هدوء وهي واقفة على سفرة العيلة، وفي نفس اللحظة كانت هناك ضيفة كريمة على السفرة. ولادي الاتنين سمعوا الموقف، ومريم، بحكمة وهدوء، قررت إنها مش هتعمل مشاكل أو ترفع صوتها. مسكت إيد ولادي وخرجت بهدوء تام من البيت عشان تحافظ على هدوء أولادها وسلامهم النفسي.

لكن بعد أسبوع، فتحت رسالة كانت اتبعتت لها من فترة، وساعتها فهمت إن الموقف اللي حصل لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل كان ترتيبات غير منصفة دبرها آخرون للتأثير على استقرار بيتها.

الجزء الأول
— لو هتروح عند والدتك، إحنا هنروح كلنا. أنا مش هفضل تاني محبوسة في البيت مع العيال — قالت مريم وهي بترتب ترابيزة السفرة.
بص لها كريم وهو واقف عند باب الشقة:
— يا مريم، أنا رايح أبارك لماما وبابا بمناسبة رأس السنة، وهقعد ساعة وأرجع.
رفعت مريم حاجبها وقالت بهدوء:
— وعشان كده هنروح معاك، العيال نفسهم يخرجوا يشوفوا زحمة الشوارع.
آدم، ابنهم صاحب التمن سنة، وملك ذات الخمس سنين، أول ما سمعوا إنهم خارجين، فرحوا جداً.
كريم بص لهم، وكان عارف إن أمه، سعاد، أحياناً بتميل لتفضيل أسلوب حياة تاني أو عرائس تانية كانت تتمناها لابنها، زي نادين، بنت صاحبة أختها اللي بتشتغل في شركة كبيرة وبتسافر كتير.
قال كريم بضيق: “خلاص، نزلوا معايا.”

في الطريق، رن موبايل كريم، وكانت أمه بتسأله عن وصول نادين التي حضرت مع والدتها. كريم حاول يوضح لأمه بحزم إنه متجوز وعنده عيلة واختار طريقه، لكن الأمهات أحياناً بيحتاجوا وقت طويل عشان يحترموا اختيارات أولادهم المستقلة.

لما وصلوا بيت الأهل في الجيزة، استقبلهم الحاج فؤاد بحفاوة، لكن الجو العام جوه الصالة كان فيه توتر واضح؛ نادين كانت قاعدة في صدر السفرة، وسعاد بدأت تتعامل مع مريم ببرود واضح وغير مبرر، وطلبت منها في المطبخ تكتفي بأكل بسيط للعيال وتقعد في مكان جانبي، معتبرة إن الزيارة مش مخصصة لهم.

مريم، وبدل ما تدخل في جدال عقيم، فضلت تحفظ كرامتها وكرامة أطفالها. ابتسمت بهدوء وقالت:
— عندك حق يا سعاد هانم، أنا فعلاً أفضل نمشي.

الحقيقة تظهر بهدوء
خرجت مريم بولادها من غير ما تعمل أي مشكلة أو صوت عالي. مر أسبوع وهي متمسكة ببيتها ورافضة أي نقاش سطحي مع كريم لحد ما تتضح الصورة.
في ليلة، وهي بتراجع الموبايل، فتحت رسائل قديمة كانت أختها نبهتها ليها من شهور، وكانت عبارة عن مراسلات بين سعاد ونادين بتوضح محاولات ترتيب اللقاءات المستمرة لإحداث فجوة بين كريم ومريم، بالإضافة إلى تفاصيل مالية تخص معاملات سابقة بين الأطراف لتسهيل أمور شخصية.

لما رجع كريم ولقى مريم بالههدوء ده، واجهته بالرسائل والمستندات ببرود وحزم يخلو من أي صراخ.
— أمك اختارت طريق تاني يا كريم، وأنا وضيوفي الصغار ما ينفعش نكون جزء من صفقات أو ترتيبات خلف الكواليس. بيتي وأولادي خط أحمر.
كريم اتصدم، وبكى بانهيار لما تواصل مع أمه وواجهها، وتأكد إن طمع الأهل وحساباتهم الخاطئة دمرت استقرار عيلته اللي كان بيحاول يحافظ عليها. حاول يطلب فرصة تانية، لكن مريم وضعت حداً قاطعاً: الاحترام المتبادل والبيئة السليمة لتربية الأولاد هي الأساس، ولا مكان لحياة مهزوزة بالخفيات.

صفحة جديدة والاعتماد على الذات
تم الانفصال بشكل هادئ وبدون فضائح أو أذى، وحرص كريم على توفير حقوق أطفاله ومسؤولياته كاملة بالاتفاق القانوني، بينما قررت مريم تبدأ حياتها من جديد.
باستخدام مهاراتها البسيطة وبعض المدخرات، بدأت مريم مشروعها المنزلي الخاص بـ “الهاند ميد” والديكور. مع الوقت والاجتهاد، المشروع كبر وبقى علامة تجارية معروفة، وبقت نموذج مشرف للقدرة على التمكين والنجاح الذاتي.

أما كريم، فتأثر جداً بالتحولات اللي حصلت في حياته، وانشغل بمتابعة التزاماته والاهتمام بوالدته، مع شعور عميق بالأسف لأنه فرّط في عيلة محترمة كانت تبني بيتها بالأصول والرضا.

في يوم من الأيام، وبعد مرور سنتين، كانت مريم في معرضها الخاص بتستعرض نجاحها في لقاء تلفزيوني، وولادها واقفين جنبها بفخر.
علمت مريم أولادها إن الإنسان اللي بيحافظ على كرامته وبيعتمد على نفسه، ربنا بيعوضه بالأحسن، وإن الأبواب اللي بتتقفل بطمع، بتفتح قصادها أبواب أوسع بالشمس والعمل الحلال.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى