روايات وقصص

اخو جوزى الاخير

وقفت على السلم، والجملة كانت بتتردد في وداني زي الصدى:

«دي ملهاش حد ترجع له.»

لفت بسرعة، وبصيت عليهم كلهم من فوق. حماتي الواقفة بابتسامة فيها شماتة، ومرات أخوه اللي كانت فاكرة إنها كسبت كل حاجة، وجوزي اللي واقف متسمر مكانه كأنه مش عارف يعمل إيه.

ضحكت… ضحكة طالعة من وسط الوجع اللي مالي قلبي، وبصيت لجوزي في عينيه وقلت بصوت هادي:

«فاكرين إني ضعيفة عشان أهلي ماتوا؟ فاكرين إني مكسورة وماعنديش حد؟ بس أنت بالذات يا محمود عارف إن ربنا ما بيسيبش حق حد، وعارف كويس إن الحقيقة لو ظهرت، البيت ده كله هيتغير.»

محمود وشه اتغير في ثانية، وقال بصوت متوتر:

«اسكتي يا شيماء… اطلعي شقتك دلوقتي ونتكلم فوق.»

مرات أخوه تدخلت وقالت باستهانة:

«تسكتي ليه؟ أوعي تفتكري إنك هتخوفينا. أنتِ حيلتك إيه غير الشقة والفلوس اللي سابها أهلك؟»

حماتي كملت:

«سيبك منها يا فادية، دي بتتكلم كده عشان عارفة إن مالهاش مكان غير هنا، وهترضى بالأمر الواقع.»

مشيت خطوتين للنزول، وبصيت لمحمود وقلت:

«تحب تقول لهم أنت الحقيقة اللي خبيتها من ست شهور؟ ولا أقول أنا التفاصيل اللي في الأوراق اللي معايا؟»

محمود جرى على السلم، ومسك إيدي بلهفة وقال:

«أرجوكي بلاش… هعملك كل اللي عايزاه. هطلق فادية، وهكتبلك الشقة باسمك، بس الموضوع ده لو اتفتح أنا هضيع وأمي مش هتتحمل.»

سحبت إيدي منه وقلت بصوت واضح:

«لا يا محمود… مش أنت اللي هتقول. أنا اللي هتكلم.»

التفتّ لحماتي ومرات أخوه، والابتسامة بدأت تختفي من على وشوشهم.

«عارفين ابنكم وأخو جوزك حصل لهم إيه بالضبط؟»

أنا ماكنتش أعرف، وكنت فاكرة زيكم إنها حادثة قدرية، لحد ما لقيت وسط أوراق محمود، بعد وفاة أهلي بشهر، تقريرًا قديمًا ورسائل بينه وبين أخوه.

يومها اكتشفت إن الحقيقة مختلفة تمامًا.

أهلي ما طلبوش من أخو جوزي يوصلهم أصلًا. هو اللي أصر ينزل، وكان في حالة سيئة وغير قادر على التركيز بسبب تصرفات خاطئة قام بها قبل القيادة، وكان بينه وبين محمود خلاف قديم متعلق بالمال.

ومحمود كان يعرف حالته، ومع ذلك لم يمنعه من القيادة.

وبعد الحادث، حاول محمود إخفاء بعض التفاصيل المهمة في الأوراق، حتى لا تتعرض العائلة لمشكلات أكبر، وحتى لا تظهر حقيقة ما حدث في ذلك اليوم.

فادية بقت واقفة مش مستوعبة.

«إنتِ بتقولي إيه؟ جوزي أنا كان…»

قاطعتها:

«الحقيقة إن اللي حصل ماكانش زي ما كنا فاكرين. ومحمود كان عارف جزء كبير من الحقيقة وسكت.»

حماتي بصت لمحمود بصدمة:

«الكلام ده صح يا محمود؟»

محمود قعد على السلم وحط رأسه بين إيديه، وقال بصوت مكسور:

«ماكنتش أقصد… كنت فاكر إن الموضوع هيعدي، وحاولت أحمي اسم أخويا والعيلة من المشاكل.»

بصيت لمرات أخوه وقلت:

«كنتِ بتقوليلي إني أنا السبب؟ كنتِ فاكرة إن وجود أهلي عندي هو اللي أدى لكل ده؟ الحقيقة إن الأمور كانت مختلفة تمامًا، وإنتِ كنتِ جاية تاخدي مكاني وبيتي وحق ولادي.»

طلعت تلفوني، وفتحت تسجيلًا قديمًا لمحمود وهو بيطلب مني ما أرجعش للملفات القديمة ولا أفتح الموضوع من جديد.

قلت:

«الأوراق دي ممكن تغيّر كل حاجة، وأنا مش هسكت عن حق أهلي.»

حماتي قربت مني وهي بتعيط:

«وحياة عيالك يا شيماء بلاش… استري علينا، ده ابنك وعيالك شايلين اسمه.»

بصيت لها بهدوء:

«أستر عليكم؟ وإنتوا عملتوا إيه معايا طول الست شهور اللي فاتت؟ كنتوا بتخلوني أخدم غيري، وبتاخدوا من حق ولادي، وبتخططوا تخرجوني من بيتي بعد ما فقدت أهلي.»

التفتّ لمحمود وقلت:

«أنت قدامك حلين. يا إما تصلح كل اللي حصل، وتحفظ حق ولادك وحق أهلي، يا إما الأوراق دي هتروح للجهات المختصة، وكل واحد يتحمل مسؤولية اللي عمله.»

فادية صرخت:

«إنتِ بتساومينا؟»

محمود رد عليها بعصبية:

«كفاية يا فادية! إحنا وصلنا للمرحلة دي بسبب قرارات غلط خدناها كلنا.»

بص لي محمود ودموعه نازلة:

«اللي تطلبيه هيتعمل يا شيماء… بس بلاش الموضوع يكبر.»

ابتسمت ابتسامة هادئة ومسحت دموعي:

«قدامك وقت قصير ترتب كل حاجة. المحامي بتاعي جاي بالأوراق، وكل شيء هيتعمل بشكل رسمي.»

طلعت شقتي، ودخلت على ولادي وحضنتهم بكل قوتي.

لأول مرة من ست شهور، حسيت إن قلبي بدأ يتنفس.

ماكنتش فرحانة. بالعكس، قلبي كان لسه مكسور على أبويا وأمي. لكني عرفت إن الضعف عمره ما كان الحل، وإن الإنسان لازم يحافظ على حقه وكرامته.

دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا.

المسافة بين باب الشقة والسلم كانت خطوتين، لكن حسيت إنها مسافة عمر كامل… عمر انتهى فيه الخوف، وبدأ فيه حساب جديد.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى