
— نص الحقيقة؟!
ياسين بص في عينيها مباشرة وقال بصدق:
— أمك فيفيان لوران فعلًا عايشة.. بس مش هي اللي دورت عليكِ، ولا عيلتها الفرنسية هما اللي بعتوني. أنا اللي دورت عليكِ بنفسي عشان أحميكي وأحمي أمك من عيلتها!
— أحمينا من عيلتها؟! يعني إيه؟!
ياسين أشار للعربية:
— اركبي يا نورهان.. قدامنا مشوار لساعة واحدة لمستشفى خاص في ضواحي باريس، وهناك هتشوفي كل حاجة بعينيكي وتعرفي الحقيقة كاملة، وبعدها ليكي كامل الحرية ترجعي مصر أو تفضلي.
العربية كانت بتشق شوارع باريس الهادية تحت المطر الخفيف. نورهان كانت قاعدة في الكنبة الخلفية، عينها على أنوار المدينة اللي سابت فيها أحلامها من سنتين، وقبلها سابت فيها أمها من غير ما تعرف.
ياسين كان قاعد قصادها، وفتح ملف أسود تقيل وحطه على الترابيزة الصغيرة بينهما:
— أمك فيفيان لوران.. كانت الوريثة الوحيدة لمجموعة «لوران» للأدوية والعقارات في فرنسا. لما اتجوزت أبوكي محمود، وهو طالب مصري بيدرس في باريس، عيلتها اعتبرت الجوازة دي تهديدًا لمصالحهم وثروتهم.
نورهان بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت خافت:
— وأبويا قال إنهم أبعدوها عنه…
ياسين هز رأسه وقال:
— هما ما اكتفوش بكده يا نورهان.. هما لفّقوا لأبوكي قضية وورطوه عشان يرجع مصر بالقوة، ولما أمك قررت تسافر وراه بالمولودة الصغيرة اللي هي أنتِ، عمها «هنري لوران» دبّر حادثة عربية! أبوكي افتكر إن أمك راحت ضحية الحادثة دي، لأنهم ورّوه واحدة تانية في المستشفى، وهددوه إنه لو رجع فرنسا مش هيقدر يحميكي!
نورهان حطت إيدها على بؤها وعينيها اتسعت من شدة الدهشة:
— يعني بابا عاش 22 سنة فاكر إنها ماتت عشان يحميني أنا؟!
ياسين رد بصوت مليان شجن:
— وأمك فيفيان عاشت السنين دي في حالة صحية صعبة، داخل مصحة خاصة وتحت إشراف عمها، بعد ما أوهموها إنك أنتِ وأبوكي مش موجودين! عمها «هنري» سيطر على الثروة والشركات طوال السنين دي باسم إدارة أملاكها!
نورهان دموعها نزلت على خدودها. الوجع اللي عاش فيه أبوها، والمعاناة اللي عاشتها أمها، كان أكبر بكتير من قدرتها على الاستيعاب.
سألته بصوت بيترعش:
— وأنت.. أنت دخلت في الموضوع ده ليه يا ياسين بيه؟ إيه علاقتك بعيلة لوران؟
ياسين أخد نفس طويل وبص للشارع من الشباك:
— أنا ابن الشريك المصري الوحيد اللي هنري لوران أضر بمصالحه واستولى على أسهم شركته بنفس الطريقة من 15 سنة. أنا قضيت آخر 8 سنين من حياتي بتتبع أعمال هنري عشان أرجع حقوق أبويا.. وأثناء تحرياتي في باريس، اكتشفت أوراق الحكاية بتاعة أمك وأبوكي.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— وعرفنا إن القانون الفرنسي بيطلب وجود الوريثة الشرعية المباشرة، اللي هي أنتِ يا نورهان، عشان يتلغي توكيل هنري وتتفتح الملفات من جديد، ومامتك تخرج من المصحة اللي كانت تحت إشرافه!
العربية وقفت قدام مبنى قديم وأنيق محاط بجدران عالية وحديقة واسعة، في منطقة فرساي.
نورهان نزلت بخطوات ثقيلة ومضطربة، وقلبها كان بيدق بسرعة. دخلت مع ياسين من الممرات الهادية، لحد ما وصلوا لأوضة واسعة مطلة على حديقة خضراء.
جوه الأوضة..
كانت قاعدة ست في أواخر الخمسينات، لافة شال كشمير أبيض حوالين كتفيها، وشعرها الأشقر الفاتح فيه خصلات بيضاء، وملامحها هادية جدًا، لكن عينيها فيها حزن عميق.
كانت ماسكة بين إيديها عروسة قماش صغيرة، نورهان كانت بتلعب بيها وهي طفلة!
نورهان اتسمرت عند الباب. أنفاسها اتسحبت تمامًا.
كل أدوار حياتها تلاشت في اللحظة دي، وما فضلش غير البنت الصغيرة اللي اتحرمت من أمها 22 سنة.
الست رفعت عينيها ببطء شديد..
أول ما عينها وقعت على وش نورهان، العروسة القماش سقطت من إيدها على الأرض.
عينين نورهان.. أنفها.. وحتى طريقة وقوفها.. كانت صورة طبق الأصل من شباب فيفيان ومن الطفولة اللي اتحرمت منها.
فيفيان قامت وقفت بصعوبة، وشفايفها اتحركت بصوت خافت ومبحوح مليان دموع وشوق:
— نورهان..؟ أنتِ.. أنتِ عايشة يا بنتي..؟
نورهان ما حسيتش بنفسها.. جريت عليها ورمت نفسها في حضنها!
حضن دافي، مليان ريحة الورد والحنان اللي غاب عنها 22 سنة. الأم وابنتها بكوا في حضن بعض، ودموعهم كانت بتحكي عن سنين طويلة من الفراق والحرمان.
ياسين كان واقف عند الباب، مبتسم بابتسامة هادية ونظرة فخر، وهو بيراقب اللحظة اللي اشتغل سنين عشان يحققها.
بعد يومين..
في القاعة الكبرى لمحكمة باريس الابتدائية.
كان «هنري لوران»، الراجل الثري ذو الشعر الأبيض والملامح الحازمة، قاعد مع فريق محاميه وهو متأكد إن توكيله على أملاك فيفيان هيتجدد زي كل سنة.
وفجأة.. أبواب القاعة اتفتحت!
دخلت نورهان عبد الرحيم، لابسة بدلة سوداء أنيقة، ورافعه رأسها بثبات وكبرياء، وجنبها ياسين الراوي والمحامية الفرنسية الكبيرة، ووراهم فيفيان لوران على كرسي متحرك بكامل وعيها!
هنري اتغيرت ملامحه تمامًا، والدهشة سيطرت عليه لما شاف البنت المصرية اللي كان فاكر إنها اختفت من حياته، واقفة قدامه بحقها القانوني!
المحامية قدمت الملفات والتسجيلات والشهادات الطبية الرسمية قدام القاضي، وقالت:
— سيادة القاضي.. نقدم للمحكمة الوريثة الشرعية المباشرة «نورهان محمود لوران»، ومستندات تثبت وجود مخالفات مالية وإجراءات غير قانونية في إدارة أملاك السيدة فيفيان لوران على مدار 22 سنة!
جلسة المحكمة شهدت تطورات كبيرة!
خلال ساعات، القاضي أصدر قرارًا بالتحفظ على أموال وأسهم شركة «لوران» للأدوية لحين انتهاء التحقيقات، وإلغاء توكيل هنري مؤقتًا، وإحالة الملف للجهات المختصة لمراجعة المستندات والوقائع المتعلقة بالتزوير وإدارة الأملاك دون وجه حق.
هنري غادر المحكمة برفقة المسؤولين المختصين لاستكمال الإجراءات القانونية، وسط متابعة الصحافة الفرنسية والمصرية للقضية التي كشفت تفاصيلها نورهان وعائلتها.
تاني يوم.. في مطار باريس.
الطيارة الخاصة كانت بتجهز للعودة للقاهرة.
نورهان كانت واقفة جنب الطيارة، وجنبها أمها فيفيان اللي أصرت تسافر معاها مصر فورًا عشان تتجمع مع حب عمرها محمود عبد الرحيم، وتحاول تعوضه عن السنين اللي ضاعت من عمرهم.
ياسين الراوي قرب من نورهان، ومسك إيدها بثبات ودفا وقال بابتسامة حقيقية:
— دلوقتي يا دكتورة نورهان.. حقك ورسالتك وأمك وأبوكي بقوا في أمان. تفتكري إن النادلة الفصيحة بتاعة مطعم الزمالك لسه زعلانة مني؟
نورهان ابتسمت ابتسامة صافية من قلبها، ابتسامة نورت وشها، وقالت بفرنساوي سليم ومتقن:
— Le respect n’a pas besoin de traduction, Yassine… mais l’amour non plus.
(الاحترام مش محتاج ترجمة يا ياسين.. والحب كمان مش محتاج ترجمة).
ياسين ضحك ضحكة دافية، ومسك إيدها بحنان.
ورجعت نورهان للقاهرة.. مش نادلة بتجري ورا الشيفتات، لكن إنسانة قدرت تستعيد حلمها، وتجمع شمل عيلتها، وتساعد في استرداد حقوق أبوها وأمها، وتفتح صفحة جديدة مليانة أمل وحب مع الراجل اللي كان سببًا في تغيير حياتها.
تمت الحكاية.

