
سكتت لحظة، وبصيت في ملامحها أفتش عن الصدق. ريهام أختها متجوزة في بلد تانية ومش من النوع اللي يدخل في تفاصيل عيلتنا، والنبرة اللي كانت بتكلم بيها اللي في التليفون مكنتش نبرة واحدة بتصلح بين أختها وجوزها، دي كانت نبرة توسل وخوف وبتوصي راجل مش ست! بس عملت نفسي مصدقة، وقلت بهدوء مغلف بۏجع:
ماشي يا ريهام.. هعمل نفسي عبيطة ومصدقاكي عشان خاطري وخاطر العيال اللي في بطني.
ضحكت بصوت عالي شوية كأنها بتطرد التوتر، وقالت:
عبيطة إيه بس يا بت، دإنتِ قلبي! يلا ادخلي ارتاحي وأنا هحطلك الشوربة تسخن.
دخلت أوضة نومي، قفلت الباب ورايا، واترميت على السرير. الشك يا جماعة لما بيدخل قلب البني آدم بياكله أكل. مكنتش قادرة أستوعب، هل الست اللي بتغسل لي رجلي بمية دافية وبتعملي الأكل وبتخدم عيالي المستقبليين مخبية وراها سر يهدم بيتي؟ طب مين اللي كانت بتكلمه؟ جوزها اللي هو أخو جوزي؟ ولا جوزي أنا؟!
الفكرة دي بالذات نزلت عليا زي مية ساقعة تلجت عروقي. جوزي؟! طب وليه؟ هل بينهم حاجة؟ لأ مستحيل، ريهام ست محترمة ومتربية وجوزي بيحترمها زي أخته الكبيرة… طب إيه؟!
مر أسبوع، والبيت حاله اتشقلب جوة دماغي رغم إن الظاهر مفيش حاجة اتغيرت. ريهام بتيجي كل يوم الصبح، تعمل الفطار، ترتب البيت، تطبخ، وتبتسم، بس عينيها مكنتش زي الأول؛ كان فيها نظرة قلق، كل ما أبصلها فجأة تلاقيها دارت وشها أو عملت نفسها مشغولة في حاجة. وتليفونها، اللي كان دايمًا مرمي على ترابيزة الأنتريه، بقى لازق في جيب مريلة المطبخ وعلى وضع الصامت.
في يوم، جوزي محمود رجع من الشغل بدري على غير عادته. وشه كان شاحب، وتحت عينيه سواد كأنه منمش بقاله أسبوع. دخل باس راسي، ورمى نفسه على الكنبة بتعب وقال:
عاملة إيه النهاردة يا سارة؟ والولاد عاملين إيه؟
قلتله: الحمد لله يا حبيبي، بس مالك إنت؟ شكلك واقع من التعب، الشغل فيه حاجة؟
بص في الأرض بسرعة وهز راسه: لأ لأ.. شوية ضغط في الشغل مش أكتر، متقلقيش نفسك إنتِ.
في اللحظة دي ريهام طلعت من المطبخ شايلة صينية العصير، وأول ما عيونها جت في عيون محمود، شفت تبادل نظرات غريب جدًا! نظرة فيها عتاب وخوف متبادل، نظرة اتنين بينهم سر كبير ومحشورين في زاوية ديقة. ريهام حطت الكوباية وقالت بصوت واطي:
عملت إيه يا محمود؟ كلمته؟
محمود اتنحنح وبصلي بطرف عينه وقالها بحدة مكنتش متعوداها منه مع سلفتي:
مش وقته يا ريهام، بعدين نبقى نتكلم.
أنا دمي فار في عروقي. مقتدرتش أسكت أكتر من كده، حسيت إن الأكسجين بينقص في الأوضة، صړخت فيهم ودموعي نزلت ڠصب عني:
هو في إيه؟! انتوا الاتنين مخبيين عليا إيه؟ كفاية بقى! أنا مش طفلة، ولا هبلة عشان تفضلوا تبصوا لبعض وتتهامسوا من ورا ضهري! لو في مصېبة قولوهالي، بدل ما أصحى الصبح ألاقي نفسي بمۏت من القهرة والشك!
محمود اتفزع وقام قعد جنبي يمسك إيدي: والله ما في حاجة يا سارة، استهدي بالله بس علشان الحمل، الدكتور قال الزعل غلط عليكي!
وريهام عينيها دمعت وقالت بصوت مكسور: حقك عليا أنا يا سارة، متزعليش نفسك، والله محمود بيمر بظروف في شغله وأنا بحاول أساعده علشان منصدمكيش وانتي في الوضع ده، ده كل الموضوع!
كلامهم كان منطقي بس مكنتش مريحني. سكتت علشان بطني كانت بتشد عليا وۏجع الحمل كان مخليني مش قادرة أجادل، بس من جوايا قررت إني مش هفضل مستنية لغاية ما أولد عشان أعرف إيه اللي بيحصل حواليا.
تاني يوم الصبح، محمود نزل الشغل بدري، وريهام جت زي عادتها ومعاها طلبات من السوق. دخلت المطبخ تجهز الغدا، ودخلت وراها قعدت على كرسي المطبخ بحجة إني زهقانة من قعدة السرير وعايزة اتسلى معاها في الكلام.
بدأت أجرجرها في الكلام بلطافة:
بقولك إيه يا ريهام.. هو أنتي وحماكي كنتوا زعلانين من بعض زمان؟
اتلخبطت وهي بتقطع الخضار وقالت: لأ خالص، عمك الله يرحمه كان بيحبني زي بناته، اشمعنى السؤال ده يعني؟
قلت ببرود: أصل محمود دايماً يقولي إن البيت ده كله كان شايل همه عمك، بس بعد ما ماټ كل حاجة اتلخبطت.. حتى المحل بتاعه اللي اتساب ليكم انتوا الاتنين، هو إيه أخباره دلوقتي؟
السکينة وقفت في إيد ريهام فجأة، واتجمدت ثواني، وبعدين رجعت تقطع بسرعة وبنبرة متوترة قالت:
المحل شغال.. جوزي ماسكه زي ما هو ومحمود بياخد نصيبه كل شهر، إنتِ عارفة.
قلت وأنا عيني مركزة على حركاتها: بس محمود قالي إمبارح إنه بيفكر يبيع نصيبه علشان مصاريف ولادتي والحقن اللي كنا عملناه ومصاريف الديون.
هنا بقى، ريهام لفت وشها ليا وعينيها كانت مبرقة بړعب حقيقي، وزعقت من غير ما تقصد:
يبيع إيه؟! هو اټجنن؟! ده لو اتكلم في الموضوع ده هتحصل مصېبة تطربق الدنيا على دماغنا كلنا!
قمت وقفت، وبصيتلها بجمود: مصېبة إيه يا ريهام؟ فهميني.. هو مين صاحب المحل الحقيقي دلوقتي؟ وجوزك فين من كل ده؟ جوزك بقاله أسبوعين مبيجيش هنا حتى يسلم على محمود، رغم إنكم ساكنين في العمارة اللي قدامنا!
ريهام وشها ابيضّ زي الورقة، ولسانها عجز عن الكلام. وفي اللحظة دي، جرس الباب رن رنة طويلة ومستفزة، كأن اللي واقف برة مش ناوي يسيب الجرس غير لما الباب يتكسر.
ريهام جريت على باب الشقة وهي بتترعش وبتقول:
خليكي مكانك يا سارة! اوعي تفتحي إنتِ، ارتاحي!
بس فضولي وړعبي كان أقوى مني، مشيت وراها على مهلي وسندت على الحيطة في الطرقة. ريهام فتحت الباب وواربته، بس الصوت كان طالع واضح وعالي لدرجة هز الشقة كلها.
كان صوت راجل غريب، خشن ومزعج، بيقول بعصبية:
فين محمود يا مدام؟ متقعديش تلفي وتدوري عليا زي كل مرة! أنا جيتله في معاده، والكمبيالات معادها جه، والنهاردة آخر مهلة، يا تدفعوا الربع مليون جنيه اللي عليكم، يا إما البوليس هيبقى هنا بالليل والمحل هيتشمع!
ريهام كانت بتترجاه بصوت مخڼوق ودموع:
أبوس إيدك يا حج، وطي صوتك بالله عليك، مراته حامل في توأم وجوة ومريضة، استنى لما يرجع من الشغل وهنحلها والله العظيم!
الراجل رد بقسۏة:
أحل إيه وأسوي إيه؟ هو لما جه رهن نصيبه في المحل وكتب الكمبيالات عشان مصاريف المستشفيات والعمليات كان عامل حسابه؟ ولا هو استلف وضيع الفلوس ودلوقتي بيستخبى؟ قدامكم للمغرب، يا الفلوس تبقى في إيدي، يا إما هفضحكم في الشارع والمنطقة كلها!
الراجل نزل ورزع باب العمارة تحت بصوت سمع في العمارة كلها.
ريهام قفلت الباب وسندت ضهرها عليه ونزلت على الأرض ټعيط بحړقة واڼهيار، حاطة إيدها على وشها ومش قادرة تاخد نفسها.
أنا وقفت مكاني مش مستوعبة كلمة واحدة من اللي سمعتها.
محمود رهن نصيبه في المحل؟ كتب كمبيالات بربع مليون جنيه؟
طب وفلوسي أنا؟ الدهب بتاعي اللي بعته بدم قلبي.. راح فين؟!
أنا بعت دهبي كله وسلّمته الفلوس كاش في إيده عشان نعمل الحقن المجهري.. أومال الربع مليون جنيه دول بتوع إيه؟! ودهبي فين؟! ومحمود عمل بالفلوس إيه؟!
قربت من ريهام ودموعي كانت بتنزل بصمت رهيب، قعدت جنبها على الأرض ومسكت كتفها، هزيتها بقوة وقلت بصوت بيتحشرج في زوري:
ريهام.. ارفعي وشك وبصيلي. دهبي فين؟ ومحمود استلف ربع مليون جنيه لمين ولإيه؟ مين فيكم اللي بيكدب عليا؟! انطقي بالله عليكي قبل ما قلبي يقف!
ريهام رفعت راسها، وعينيها كانت متورمة ، وبصتلي بنظرة كلها ۏجع وشفقة، وقالت بصوت مكسور وهي بتضغط على إيدي:
محمود مخدش دهبك للعملية يا سارة… محمود دهبك اتباع عشان…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




