عام

حماتى و جوزى

أول ما دخلت البيت، حسيت إن ريحته مختلفة.
ريحة مسحوق غسيل مش بتاعنا.
خدات الكنبة كانت متغيرة في ترتيبها، ترتيب عمري ما شفته قبل كده.
وكتب الطبخ بتاعتي اتشالت من على الرخامة.
وفي المطبخ كانت نوال واقفة، لابسة كارديجان كريمي، وبتقلب في حاجة شكلها البريد بتاعنا.
بصت لي من غير ابتسامة وقالت
يا سارة، شكلك تعبان.
رديت
الحوادث بتعمل كده.
قالت لأحمد
ساعدها تدخل أوضتها. هي محتاجة ترتاح.

أحمد ساعدني أمشي في الممر، من غير حتى ما يبص في عيني.
ورانا، سمعت صوت كعب جزمة نوال وهي بتتحرك بثقة جوه مطبخي.
وبتفتح أدراج أنا مش فاهمة ليه بتفتحها أصلًا.
حسيت بحاجة في صدري، حاجة ملهاش علاقة بالضلوع المكسورة، بدأت تضيق.
وصلت للسرير وسندت ضهري على المخدات، وكل ضلع مكسور في جسمي كان بيعلن عن وجوده بألم خافت ومستمر.
ليان نامت جنبي وهي حضنة أرنبها القماشي.
ومن بعيد، كنت سامعة نوال في الممر، بتتحرك وكأن عندها مهمة لازم تنفذها.
وبعدين سمعت صوتها.
أدراج.
مش أدراج المطبخ.
أدراج أوضة النوم.
بتتفتح وتتقفل بإيقاع غريب.
ناديت

نوال؟ أحمد؟ كل حاجة كويسة؟
محدش رد.
بس صوت الأدراج كان مستمر.
مسحت على شعر بنتي وحاولت أتكلم بهدوء.
قلت
حبيبتي، روحي اختاري كتاب تلوين، حاضر؟ ماما محتاجة دقيقة.
نزلت ليان من على السرير بطاعة.
وبعد ثانيتين، دخلت نوال الأوضة وهي شايلة شنطتين سفر من ماركة غالية.
وقلبي وقع في رجلي.
الشنطتين كانوا جداد.
متطابقين.
وعليهم التاجات لسه متعلقة.
بصيت لها وسألت
إنتِ بتعملي إيه؟
ما بصتش لي.

راحت ناحية دولاب أحمد وبدأت تطلع هدومه من الشماعات بكفاءة شديدة، كأنها كانت بتتدرب على اللحظة دي من زمان.
صرخت
نوال! استني! إنتِ بتعملي إيه؟!
قالت ببساطة
بحزم شنط ابني.
قلت
ليه؟
قالت
هو راجع بيته.
ضحكت.
ضحكت لأن مفيش رد مناسب على جملة بالعبث ده.
قلت
أحمد في البيت.
قالت
هو راجع بيته.
فضلت تطوي بلوفر وتحطه في الشنطة من غير ما

ترد.
في اللحظة دي ظهر أحمد عند باب الأوضة.
كان باصص للأرض، كأن الأرض هي اللي عليها الإجابة.
مش قادر يبص لي.
ومش قادر يبص لأمه.
واقف بس، حاطط إيديه في جيوبه، كرجل بالغ بيحاول يتحول لقطعة أثاث.
ناديته
أحمد.
صوتي اتهز.
بص لي يا أحمد!
ما بصش.
صرخت
ممكن حد يقول لي إيه اللي بيحصل في أوضتي دلوقتي؟! إزاي تسيب مراتك وهي مصابة وبنتك الصغيرة؟!
قفلت نوال أول شنطة بسحبة حاسمة وقالت باحتقار
ابني مش متجوز عشان يبقى ممرض ليكي. عنده شغل مهم. هيرجع لما تبقي قادرة تعتمدِي على نفسك.
بصيت لها بعدم تصديق.

قلت
قادرة؟
قالت
سمعتي.
قلت
أنا مراته!
ردت
إنتِ رجل مكسورة وضلعين مكسورين يا حبيبتي. هو مش مجهز للموضوع ده.
لفيت ناحية أحمد.
وحسيت بحاجة صغيرة ويائسة بتطلع من حلقي.
قلت
اتكلم! قول أي حاجة! مراتك لسه خارجة من حادثة عربية. بنتك عندها أربع سنين. إنت بجد سايب أمك تحزم شنطك؟
أخيرًا أحمد رفع عينه.
عيناه كانوا زي عيون ولد صغير اتقفش وهو بيعمل حاجة غلط، وعايز يقنعك إن الغلط مش غلطته.
قال بهدوء
حبيبتي الموضوع كله ضغط عليا قوي دلوقتي.
بصيت له.
ضغط على مين يا أحمد؟
قال
عليا أنا.
ما كانش عندي حاجة أقولها.
مفيش حاجة تتقال على كده.
قفلت نوال الشنطة التانية ورفعتها كأنها كانت مستعدة للحظة دي من سنين.
ابتسمت بنفس الطريقة اللي كانت بتبتسم بيها كل عيد شكر.
وقالت
ارتاحي يا حبيبتي. شكلك تعبان.

حماتي كانت عمرها ما حبتني.
وأنا كنت محتاجة مساعدة فعلية عشان أقدر أعتني بنفسي وببنتنا الصغيرة.
وفي اللحظة دي فهمت أخيرًا إنها ما جتش عشان ترعاني.
جت عشان تاخد ابنها.
أحمد قرب مني.
انحنى وباس جبيني.
شفايفه كانت ناشفة.
وكانت ريحته نفس ريحة البرفان اللي أنا اشتريتهوله في عيد ميلاده.
همس
آسف يا حبيبتي. الموضوع ضغط عليا قوي دلوقتي.
وبعدين وقف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى