عام

ثلاث شهور حكايات روماني مكرم الاخير

الأيام اللي تلت قرار حبسه كانت مشتعلة كأنها حرب حقيقية، الأخبار انتشرت في المنطقة وفي دايرة شغله زي النار في الهشيم. الشركة الهندسية اللي كان شغال فيها وصلها إخطار رسمي بوقفه عن العمل والتحقيق معاه بعد ما جالهم استدعاء أمني بخصوص تحريات القضية، والمهندس المحترم اللي كان بيتمنظر قدام زمايله بأخلاقه ومركزه بقى حديث الساعة وعنوان اللي هزت الكل.

مباحث الإنترنت مع قوة من قسم الشرطة مهدتش؛ بناءً على اعترافاته والتفريغ اللي كشف كل الأرقام اللي على الجروب السري، نزلت مأموريات في وقت واحد على العناوين اللي حددتها التحريات. اتقبض على اتنين من أصحابه اللي كانوا أطراف رئيسية في المحادثات المقززة؛ واحد منهم هو اللي كان قايله في الشات “دي تلزمني بأي تمن”، والتاني اللي كان بيحرضه على تنزيل فيديوهات وصور تانية بمقابل مادي.

اتقبض عليهم بتهم الاشتراك والتحريض والاعتداء على القيم الأسرية، ودخلوا التخشيبة معاه، ولما اتقابلوا في الحجز اتخانقوا وشتموا بعض وبقوا يرموا التهم على بعض زي الفئران المحبوسة في مصيدة. في نفس الأسبوع، المحامي خلص إجراءات تنفيذ قرار التمكين وكسر الشقة بحضور محضر المحكمة وقوة أمنية من القسم عشان أستلم كل قايمة منقولاتي وحاجتي قبل ما أهله يحاولوا يخفوا أي مسمار منها. روحت مع أبويا ومحمود وعربيات النقل الكبيرة كانت واقفة تحت العمارة. الجيران اتجمعوا في المداخل والبلكونات، محدش كان قادر ينطق بكلمة لوم واحدة؛ كان الكل بيبصلنا بتعاطف واحترام لأنهم عرفوا تفاصيل الكارثة.

طلعنا الشقة وكسرنا القفل بأمر النيابة، وأول ما دخلت شميت ريحة في كل ركن، السرير اللي كنت نايمة عليه بأمان وهو بيغدر بيا، المطبخ اللي صورني فيه وأنا بضهر.. كل حتة كانت بتفكرني بوجعي، بس في نفس الوقت كنت بحس إن كل قطعة عفش بتنزل من الشقة دي كأنها قطعة من هم تقيل بيتشال من فوق صدري.

نزل العفش كله قطة ورا تانية، من أصغر كوباية لأكبر جهاز كهربائي، مسبتش ورايا غير الحيطان العريانة، وأهله كانوا واقفين بعيد في أول الشارع، أمه بتعيط بحرقة وخوف، وأبوه كان ساند على عمود نور في الشارع وعينيه في الأرض مش قادر حتى يقرب ولا يفتح بقه بنص كلمة بعد ما شافوا المحضر والشرطة اللي بتنفذ الحكم بالقوة الجبرية. بعدها بأيام، جه معاد جلسة تجديد الحبس أمام قاضي المعارضات، وجلسة محكمة الأسرة للنطق بالحكم في قضية الطلاق للضرر ومؤخر الصداق.

في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وقف المحامي بتاعي قدام المنصة وقدّم صورة رسمية من تحقيقات النيابة، واعتراف المتهم، وقرارات حبسه الاحتياطي، وقال بصوت هز جدران القاعة:”سيدي القاضي.. إن ما ارتكبه المدعى عليه لا يمت للدين ولا للأخلاق ولا للرجولة بصلة، لقد انتهك أقدس رابطة شرعية، وباع ستر زوجته وعرض بيته، والضرر هنا ليس مادياً أو لفظياً فحسب، بل هو عظمى تستحيل معها العشرة وتأباها النفوس السوية، ونطلب تطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها المالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.

“القاضي بص في الأوراق للحظات، وشه كان بيعكس مدى اشمئزازه من تفاصيل المحضر، ونطق بالحكم في نفس الجلسة:”حكمت المحكمة بتطليق المدعية على المدعى عليه طلقة بائنة للضرر، وإلزامه بأن يؤدي لها مؤخر الصداق المسمى بينهما وقدره مائة وخمسون ألف جنيه، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة.”أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن روحي رجعتلي، رفعت راسي للسما ودموعي نزلت مش حزن، دموع خفة وراحة ونجاة، اتطلقت منه ورجعت حرة، وأخدت كل مليم من حقوقي بالقانون.

بس اليوم مكنش خلص لسه، لأن على بُعد أمتار في نفس المجمع، كانت جلسة تجديد الحبس الجنائي لطارق وشبكته شغالة. اتحركت مع محمود والمحامي ودخلنا قاعة الجنايات والجنح المستأنفة، ووقفنا في الصفوف الخلفية. بعد دقايق، دخل القفص طارق ومعاه الاتنين التانيين، متكلبشين مع بعض في سلسلة واحدة. طارق كان لابس ترينج الحجز الرمادي، وشه شاحب، خاسس للنص، وعينيه تايهة ومرعوبة، وأول ما لمحني واقفة برة القفص رافعة راسي ولابسة أبيض في أبيض، مسك في أسياخ الحديد بإيديه المرتعشة، ونادى عليا بصوت يائس بيقطع القلب بس مكنش يحرّك فيا ساكن:”سمر!

سمر أبوس رجلك! اسمعيني بس.. أمي جالها جلطة وأبويا مش قادر يرفع عينه في الناس، وأنا حياتي ادمرت وشغلي طردني، هتحبس سنين يا سمر، تنازلي وخدي اللي انتي عايزاه، والله لو عايزاني أكتبلك الشقة وكل ما أملك هكتبهولك بس طلعيني من القبر ده!”المحامي بتاعه حاول يدخل يقدم طلب إخلاء سبيل بأي كفالة مالية معللاً إنه عائل لأسرته وإن الواقعة مكنتش تتعدى هزار عابر، لكن ممثل النيابة العامة وقف واعترض بشدة وصرخ في القاعة:”إن النيابة العامة ترفض إخلاء سبيل المتهم أو شركائه، وتؤكد أن الجريمة المرتكبة هي اعتداء صارخ على المجتمع وقيمه وأعراضه، ونعلن إحالة أوراق القضية رسمياً إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم جنائية مشددة، والمتهم وشركاؤه يشكلون خطراً داهماً ويجب استمرار حبسهم.

“القاضي خبط بالشاكوش وصرخ بصرامة:”قررت المحكمة رفض الاستئناف، واستمرار حبس المتهمين جميعاً خمسة وأربعين يوماً على ذمة القضية وإحالتهم إلى محاكمة الجنايات العاجلة.”الصوت رن في القاعة، وطارق صرخ ومسك دماغه ووقع في أرضية القفص بيصرخ كأنه اتصاب برصاصة، والعساكر شدوهم للنزول للتخشيبة وهو بيتشد على الأرض ومذلول. خرجت من مجمع المحاكم في شمس النهار، الهوا كان نقي، وأبويا مسك إيدي وباس راسي وقالي: “رفعتي راسنا وخدتي حقك بأدب وبأصل وبقوة القانون يا بنتي.

“ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، والكل كان عارف إن الخطوة الجاية هي القاضية، محاكمة الجنايات اللي هتحدد مصيره النهائي في السجن المشدد، والستار اللي هينزل على أبشع كابوس عشته في حياتي. مرت الأسابيع اللي سبقت الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات الاقتصادية وكأنها سنين، لكنها كانت سنين بتبني فيا شخص جديد تماماً. الضعف والخوف اللي حسيت بيهم وأنا بسمع صوت المية في الحمام زمان، اتبدلوا تماماً بقوة وهدوء مخيفين.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى