روايات وقصص

مرات ابني حامل اماني السيد

أميرة ما استحملتش الكلام، بصت لنا نظرة كلها وجع وكسرة قلب، وقالت بصوت واطي وهى بتعيط: ـ أنا مضحكتش عليه في حاجة.. أنا عمر ما طلبت منه حاجة غصب عنه.. بس حسيت إنه جوزي بجد، وحبيت عياله بصدق.. طلعت أنا غلطانة لأني افتكرت نفسي إنسانة مش آلة محطوطة لخدمة البيت!
وجريت على جوه ودخلت الأوضة وقفلت على نفسها الباب، وصوت عياطها كان طالع مقهور. ابني وقف باصص للباب اللي اتقفل، وبعدين التفت لي بغضب وقال: ـ إنتِ كده خربتي بيتي ياما.. إنتِ فاكرة إني كنت هقسى عليها؟ أنا صحيح اتجوزت عشان العيال، بس أميرة دخلت بيتي وصانت عيالي وعاملتهم كأنهم حتة من قلبها.. وعمرها ما قصرت.. جاية إنتِ دلوقتي تكسري فرحتها؟!

وقفلت مش مصدقة، وقلت بصوت عالي: ـ بقى أنا اللي بخرب بيتك؟ أنا اللي لفيت ودورت وطلعت عيني لحد ما لقيتها وجبتها لحد عندك على طبق من ذهب عشان تستر على عيالك وتربيهم! ده أنا عملت كده عشانك وعشانهم!
رد عليا بحرقة وعصبية: ـ تسلمي لتعبك يا أمي، وكتر خيرك.. بس العيال دي خلاص بقا ليها أم تانية بتحبهم وبتخاف عليهم، وأميرة بقت مراتي على سنة الله ورسوله، ومش هسمح لحد يوجعها ولا يكسر قلبها في بيتي.. عن إذنك يا أمي، ارتاحي وشوفي هتعملي إيه.

سابني واقفة مكاني مصدومة من رد فعله، ودخل وراها الأوضة عشان يصالحها، ويسيبني وحدي وسط أفكاري وصدمتي من اللي حصل. قرب من باب الأوضة وخبط بهدوء، لما لقى مافيش رد، فتح الباب ودخل ببطء.. كان النور هادئ وأميرة قاعدة على طرف السرير ضامنة ركبتها لصدرها ووشها بين إيديها وبتعيط بصمت وقهر.
قعد جنبها على السرير ونزل لمستوى نظرها، ومد إيده بحنان مسح بيها دموعها، وقال بصوت دافئ كله أسف: ـ حقك عليا أنا.. ما تزعليش مني، ولا تخلي كلام أمي يكسر قلبك أو يخليكي تحسي ولو لحظة إني مش مراتي وحبيبتي.

بصت له بعيون مليانة دموع وقالت بصوت مكسور: ـ يعني كلامها صح يا أحمد؟ أنا بالنسبة لك مجرد مربية للعيال وبس؟ الجوازة دي بالنسبة لك صفقة خلصت أول ما دخلت البيت؟!
مسك إيديها الاثنين وباسهم بحب صادق، وقال بنبرة قاطعة: ـ استهدي بالله وافتكري كويس من أول يوم دخلتي فيه بيتي.. صحيح أمي هي اللي دبرت الجوازة وأنا كنت مكسور وتايه بعد وفاة مراتي الله يرحمها.. بس من أول يوم حطيتِ فيه رجلك هنا، ولقيتك حاضنة عيالي وخايفة عليهم كأنهم حتة منك، قلبي فتح لك بجد يا أميرة.

سكت ثانية وبص في عيونها مكمل كلامه: ـ أنا ما حبيتش جوازنا يكون بالشكل ده، بس غصب عني كنت خايف.. لكن مع الأيام لقيتك بقيتي السكن والونس بتاعي، بقيتي مراتي اللي بجد.. وحملك ده مش عُبء، ده أحلى وأغلى حاجة ربنا رزقنا بيها.. ده ابننا اللي هيجمعنا ببعض أكتر ويخلي بيتنا مليان بركة وفرحة.
حطت إيدها على بطنها بتلقائية، ودموعها نزلت بس المرة دي من الفرحة والراحة اللي دخلت قلبها، وقالت بصوت مهتز: ـ بجد يا أحمد؟ فرحان إنه جاي؟ مش زعلان أو خايف إنه يضايق العيال؟

ابتسم بحنان وضمها لصدره بحرارة، وباس راسها وقال: ـ العيال دي هي أول فرحتنا، واللي في بطنك ده هيكون سندهم وأخوهم اللي هيزيد العيلة حب ودفا.. اوعي تسمعي لأي كلام يهتز بيكي ثقتك في مكانتك عندي.. إنتِ الملكة بتاعت البيت ده كله، وأم ولادي ومراتي الغالية، ومافيش قوة في الدنيا تقدر تغير ده.
رفعش وشها وبصت له وبسمة خفيفة ظهرت على شفايفها وسط الدموع، وحست أخيرًا إن قلبها ارتاح وإن تعبها وصبرها ما ضاعوش هدر، وإنها أخيرًا لقت الأمان اللي كانت تتمناه.

عدت الأيام، وبدأت ملامح الحمل تظهر على أميرة، وبصبرها وهدوءها وطيبتها قدرت تدوب أي جبل جليد.. الولد والبنت بقوا بيحبوهـ ا لدرجة إنهم نسوا أصلاً إنها مش أمهم الحقيقية، وكانوا دايماً حواليها بيسألوها وهي بتجهّز لبس البيبي الجديد: “يا ماما، هو البيبي هيجي امتى عشان نلعب معاه؟”

أما عني أنا.. الحقيقة في الأول كنت مكابرة، وكنت زعلانة من ابني ومن طريقته معايا، وكنت شايفة إن أميرة جاية تاخد مني السيطرة على البيت وأنها خطفت ابني. كنت بقعد مع نفسي أقول: “يعني أنا اللي دورت وتعبت، وفي الآخر تقلب الترابيزة وتبقى هي الهانم المسيطرة؟”
بس مع الوقت، ومع كل مرة كنت بروح أزورهم فيها، كنت بلاحظ حاجات ما ينفعش تتدارى.. كنت أشوف بعيني إزاي أحمد بقى بني آدم تاني، عينيه بتلمع وفرحان ببيته اللي رجعت له روحه والضحكة اللي دخلت جدرانه.. كنت أشوف أميرة وهي بتعامل العيال بحب حقيقي مش مجرد أداء واجب، وإزاي بتخاف على مصلحتهم.

وفي يوم، كنت قاعدة في بيتي لوحدي، وفضلت أفكر في الكلام اللي قولته لها يوم ما عرفت بحملها.. كل ما أفتكر نظرة الكسرة في عينيها ودموعها وهي حاطة إيدها على بطنها، ضميري كان بيوجعني.. حسيت إني بالغت جامد وأن الست مالهاش ذنب، هي فعلاً صانت ابني وشالت اسم ابني وسترت بيته.. ليه أكون سبب في تعاسة واحدة دخلت بيتنا بالحلال وكانت نيتها صافية؟
قررت إنها تصفى، وإني مش هبقى الحمى الشرسة اللي بتخرب بيت ابنها بإيديها.. نزلت جبت شوية حاجات وحلويات للعيال، وطلعت على بيتهم.

خبطت على الباب، وفتحت لي أميرة، وأول ما شافتنِي وشي بان عليه التردد والكسوف، وقفت مكانها مصدومة وبانت على وشها علامات التوتر وهي بتقول بصوت خافت: ـ أهلاً يا طنط.. اتفضلي نورتي البيت.
بصيت لها ملي السمع والبصر، ولقيت نفسي ببتسم غصب عني، ومسكت الشنطة اللي في إيدي وقولت بصوت دافئ ومختلف خالص عن كل مرة: ـ منور بأهله يا أميرة.. هو أنا مش تيتا ولا إيه؟ ولا عشان جيت فجأة تقلقي؟

أميرة فتحت عينيها من الفرحة اللي نطت فيهم، والدموع جمعت في عينيها بس المرة دي دموع فرحة ورضا، وقالت بصوت مكسور من التأثر: ـ تنوري في أي وقت يا طنط.. ده البيت بيفتح بوجودك.
قربت منها، وفتحت إيدي وضمتها بحنان لأول مرة، وقولت في ودنها بصوت هادي: ـ سامحيني يا بنتي.. حقك عليّا، الكلام اللي قولته يومها كان نابع من خوف أعمى على ولاد ابني، بس ماشوفتش أصلك الطيب.. ربنا يتمم لك على خير يا أميرة، وتتربى في عزكم أنتي وأحمد.

في اللحظة دي دخل أحمد من الشقة وشاف المنظر ده، وقف مكانه وابتسامة واسعة وسعيدة زادت وشه حلاوة، وجري علينا زي العيال وقال بفرحة: ـ إيه ده؟! أنا بحلم ولا إيه؟ أمي الغالية بتصالح مراتي؟! ده أحلى يوم في عمري!
ضحكنا كلنا، واتلمينا حوالين السفرة زي العيلة الحقيقية.. حسيت ساعتها إن ربنا كافأ ابني وعياله بأميرة، وكافأني أنا كمان بإن بصيرتي فتحت قبل ما أخسرهم كلهم.

تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى