روايات وقصص

مرات ابني حكايات اماني السيد

بصلي نظرة أول مرة أشوفها في عيونه، نظرة مليانة شك وحيرة، وقال بصوت حاسم ما فيهوش نقاش:ـ واجب إيه؟! دي مراتي يا أمي، وأبوها ميت، وأهلها دلوقتي منهارين ومش لوحدهم! مفيش وقت للكلام الفارغ ده.. قومي البسي عبايتك يلا بينا، مش هسيب مراتي وأهلها في الظروف دي لوحدهم، حتى لو مش محتاجين، وقفتنا جنبها واجب علينا!

حاولت أتلكك تاني وأتهرب:ـ يا ابني البس إنت واطلع على هناك، وأنا تعبانة ومش قادرة على زحمة العزا…قاطعني بعصبية وهو بيفتح باب الشقة:ـ بقولك قومي البسي يا أمي! بلاش كلام كتير، مش هروح لوحدي وأسيبك، يلا!

حسيت إن شكوكه زادت، وإن إصراره بقى يعورني من جوه، فما لقيتش قدامي حل غير إني ألبس عبايتي وأنا بجر في رجليا من كتر الخوف والكسفة اللي مستنياني هناك. ركبنا العربية طول السكة وأنا قلبي بيدق ألف دقة ودقة، لحد ما وصلنا بيت أهلها.

الشارع كان مليان ناس، وطلعنا الشقة اللي كانت كلها صريخ وعياط. أول ما دخلنا، قابلنا أخوها أو حد من أهلها بالدموع، وابني دخل قدامي بخطوات مكسورة. دخلنا جوه، ولقيتها قاعدة على الأرض، وشها باهت وعنيها حمرا ورموشها لازقة من كتر العياط، وحولها الحريم بيحاولوا يهدوها.

أول ما عينيها جت في عيني، وطلت في وشي، كأن شرارة ولعت فيها. نطت من مكانها، وقفت قدامي وهي بتترعش، وبصوت مجروح ومبحوح صرخت في وسط الكل:ـ إنتِ جيتي هنا تاني؟! إيه اللي جابك هنا؟ جاية تشوفي إيه اللي حصل بعد ما حرمتيني منه؟! امشي من هنا.. امشي مش عايزة أشوف وشك! إنتِ السبب..

الكل في الشقة اتجمد، والستات بصلولنا بذهول واستنكار، وابني وقف في النص باصصلي وباصص لها، عيونه متسعة من الصدمة، ومش فاهم حاجة خالص من اللي بيتقال!

قرب منها ابني بخطوات بطيئة، وشه أصفر ونبرة صوته بتترعش من الخضة والهول اللي شافه:ـ اهدي يا حبيبتي… اهدي واطلغي من اللي إنتِ فيه، وفهميني بالراحة.. إيه اللي حصل؟ وليه بتقولي الكلام ده لأمي؟رفعت عينيها ليه، وعيونها مليانة دموع، وصوتها المبحوح هز القلوب:ـ أمك يا محمود.. أمك منعتني أجوف أبويا وهو بيموت عشان أخدمها هي وبناتها، وأنضف البيت بعد ما ياكلوا، كأني خدامة!

وقفت وهي بتصرخ بصوت بيقطع في قلب الكل، وشارت عليّ بإيدها:ـ فضلت تذلني طول اليوم وتستعجلني، وكل ما أمي تتصل بيا وتستنجد بيا وتقولي الحقيه بيموت، أمك خطفت التليفون من إيدي غصب عني وقفلته وحطته جنبها! حرمتني من أبويا وهو بيحتضر.. أبويا مات وأنا محبوسة هنا بمسح ورا بناتك يا محمود!

وقعت الكلمات على ابني زي الصواعق المتتالية. وقف مكانه متجمد، عينه اتسعت لحد ما كادت تنط من مكانها، وبصلي بذهول مش مصدق اللي ودانه سامعاه. لف وبصلي بنظرة انطفى فيها كل احترام وحب، وقال بصوت واطي وخشن من كتر الصدمة:ـ كلامها صحيح ياما؟! عملتي فيها كده وهي أبوها بيطلع في الروح؟!

وقفت مكاني، لساني اتشل في بقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لابني اللي عيونه كانت مليانة غضب، والكل حوالينا بيبصلي بنظرات لوم وقرف قطعت في قلبي. بلعت ريقي بصعوبة وبتلجلج في الكلام:ـ يا… يا ابني اسمعني… أنا كنت… كنت…

قاطعني بصوت عالي هز حيطان الشقة كلها، صوت لأول مرة في حياتي أسمعه منه، كأن روحه بتطلع مع كل كلمة:ـ أسمع إيه؟! أسمع إيه تاني ياما؟! إنتِ دمرتي مراتي وحرمتيها من أبوها وهي حتة من قلبها! إنتِ قسيتي عليها لحد ما اتحرقت بالمنظر ده؟!

بصلي بنظرة أخيرة مليانة كسرة وقهر، وقال ببرود وجعني أكتر من صراخه:ـ ليكي حق تقعدي لوحدك… ويوم ما تحسي باللي عملتيه ابقي افتكري إنك خسرتي ابنك كمان.

سابني واقفة في وسط الشقة، والكل بيبصلي، ووطى على مراته اللي كانت منهارة في العياط، شالها بحنية وطلع بيها عشان تهدا بعيد عن وشي، وأنا بقيت واقفة لوحدي في وسط الناس، والكلمات بترن في ودني، وحسيت ساعتها إن الندم جه متأخر أوي، وإن القسوة ما بتجيبش غير الخراب والوحدة.

فاتت الأيام، لكن المذلة والوحدة كانوا هما الضيف الثقيل اللي ما بيروحش. حاولت أطلع لمرات ابني كذا مرة عشان أعتذر لها وأحايلها، وأقول يمكن قلبها يلين وتسامحني، بس أول ما كانت تشوفني كانت تبصلي بنظرة باردة وتقولي بصوت قاطع:ـ ارتاحي.. مفيش بينا كلام تاني. ولا أنا هقدر أخدمك ولا أدخل بيتك تاني، اكتفي باللي عملتيه زمان، وسيبيني في حالي.

قفلت بابها في وشي نهائي، ورفضت تخدمنا أو تحط إيدها في البيت عندنا تاني. اللي صدمني بجد هو بنتي الصغيرة؛ دي اللي كانت مرات ابني بتشيلها في عينيها وتجهزها للمدرسة، طلعت بتحبها بجد وبقت تسيبني لوحدي وتطلع تجري على شقة مرات ابني عشان تقعد عنها وتساعدها في اللي تقدر عليه، وكأنها لقت الأمان هناك بعيد عن قسوتي.

أما ابني… فده اللي وجع قلبي بجد. بقى طول الوقت قاعد في شقته فوق، نازل على شغله وطالع على بيته ومراته، كأنه مش شايفني أصلاً. لا كلمة حلوة، لا قعدة صفا، ولا حتى بيبص في وشي وهو نازل.

حتى بناتي الكبار، اللي كنت مفكراهم سند ليا، بقوا ييجوا زي الغربا، قاعدين متجهمين، وبيعاوموني بجفاء وعتاب صامت لأنهم شافوا اللي حصل بعينهم، ولما بطلب منهم طلب صغير بقوا يتهربوا مني. لقيت نفسي لوحدي تماماً في بيت واسع، بشرب من كاس القسوة اللي دقتها بإيدي.

بقيت أخدم نفسي بنفسي، أعمل لقمة لوحدي، وأكلم الحيطان من كثرة السكوت. فهمت متأخر أوي إن الظلم حصيلته مرة، وإن الكرسي اللي كنت قاعدة عليه أتحكم في الناس اتهد بيا، وما بقاش ليا لا سند ولا ضهر، غير وجع ضمير ما بيخلصش.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى