
الحاج رفع عصايته حتة صغيرة وقال بصرامة:
“اسكت يا إبراهيم! ما تنطقش ولا كلمة!”
وبعدين التفت لحماتي وقال لها بصوت زعلان:
“إنتي السبب يا أم أحمد، إنتي اللي سيبتي الدنيا تسيح على بعضها من الأول، ولما مريم كانت بتشيل وتتعب كنتي فاكرة إن ده حق مكتسب، لحد ما الولاد قعدوا يتخانقوا عشان مين يمسح ومين يطبخ!”
حماتي نكست رأسها وما قدرتش ترد بكلمة واحدة.
الحاج التفت ليا، وبصلي بنظرة حنونة جداً أب حقيقي بيصالح بنته، وقال:
“تعالي يا مريم يا بنتي قربي.”
قربت منه ونزلت راسي احتراماً له وتقديراً لكبر سنه.
الحاج حط إيده على رأسي وقال بحنية:
“إنتي بنت أصول يا مريم، وعمرك ما قصرتي معانا في حاجة. تسع سنين شيلتينا فوق رأسك من غير ما نسمع منك كلمة عيب ولا تأفف. حقك عليا أنا يا بنتي إذا كان حد ضايقك ولا حسسك إن تعبك وطيبتك دول فرض عليكي ولا إنك خدامة في البيت ده.”
دموعي نزلت غصب عني وسالت على خدي، كلام الراجل الكبير ده وموقفه مسح كل الوجع والمرارة اللي حسيت بيهم من يوم الخناقة.
كمل الحاج كلامه وبص لإبراهيم وشيماء بصوت صلب وقاطع:
“سمعوني كلكم.. البيت ده بيت عيلة، يعني بيت الأدب والاحترام والواجب. من النهاردة، محدش من الكبار ولا الصغيرين ينزل تحت يعتب شقتي عشان ينضف ولا يطبخ. أنا وأمكم هنجيب ست تدخلوها تنضف لنا الشقة والسلم كل أسبوع وتاخد أجرها، والأكل هيجيلنا جاهز أو نعمل على قدنا.”
سكت شوية وبص لشيماء بحدية وقال لها:
“وإنتي يا شيماء يا بنتي طالما اخترتي من أول يوم إنك مالكيش دعوة بنظام بيت العيلة ولا بحد، يبقى تقعدي في شقتك معززة مكرمة. تنزلي تسلمي عليا وعلى أم أحمد وتطلعي. مالكيش دعوة بمريم نزلّت ولا ما نزلّتِش، طبخت ولا ما طبختش، ولا ليكي دعوة بمين نضف ومين مسح!”
وبعدين بص لإبراهيم وقال له:
“خد مرتك واطلعوا على شقتكم، وما أسمعش صوت حد فيكم تاني النهاردة! وإياك أشوفك رافع صوتك على أخوك الكبير تاني!”
إبراهيم هز رأسه بخجل، وبص لأحمد بصة اعتذار وقال بصوت واطي:
“حقك عليا يا أحمد.. حقك عليا يا أخويا.”
أحمد طبطب على كتف إبراهيم وقال له:
“حصل خير يا إبراهيم، المهم كل واحد يعرف حدوده ومراته تحترم التانية.”
طلعت شيماء وإبراهيم على شقتهم وسكوتهم يسبقهم، والحاج بص لأحمد وليا وقال ابتسامة خفيفة:
“خد مرتك وادخلوا شقتكم يا أحمد، وربنا يهدّي سركم يا ولادي.”
بعد ما نزل الحاج وحماتي، قفلنا باب الشقة.
الصالة كانت هادية وساكنة، وصوت النبض جوايا بدأ يهدى.
قعدت على الكنبة وأنا حاسة بإرهاق شديد كأني كنت في معركة، بس جوايا راحة ونظافة بال عمري ما حسيت بيهم من سنين طويلة.
راحة إن كرامتي أتردت لي، وإن جوزي وقف في ضهري راجل جدع، وإن الحدود بين كل الناس اتحددت بوضوح ومن غير ما أكون ظلمت حد ولا اتظلمت.
أحمد قعد جنبي، ومسك إيدي بين إيديه وقال بحنان:
“تعبتي يا مريم؟”
ابتسمت له من كل قلبي وقلت له:
“التعب بيروح يا أحمد لما تحس إنك مقدّر، وأن أصلك وطيبتك ما اتفهموش غلط على إنهم ضعف أو استكانة.”
مسك إيدي وباسها وقال لي:
“من النهاردة كل حاجة اتغيرت خلاص. محدش هييجي على حقك، ولا إنتي هتيجي على صحتك ونفسيتك عشان ترضي حد. اللي هيتعمل بعد كده هيتعمل بالود والرضا والجميلة، ومش بالغصب ولا بالفرض.”
ومن اليوم ده حياتي اتغيرت تماماً في بيت العيلة.
شيماء بقت في حالها وشقتها، وأنا في حالي وشقتي، والسلم بقت بتيجي ست تنضفه وتطهره كل أسبوع.
بقيت أنزل لحماتي وحمايا لما أكون عايزة بنفسي ورغبتي، أعملهم اللقمة الحلوة بحب، أنضف لهم شقتهم من نفسي وأنا مبسوطة لأنها بقت بجميل مني ومش فرض عليا ولا واجب أكراه.
وحماتي بقت تشيلني من على الأرض شيل، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدعيلي وتقول لي قدام الكل:
“ربنا يبارك لي فيكي يا مريم يا بنت الأصول، إنتي البركة الحقيقية بتاعة البيت ده.”
واتعلمت من الدرس ده إن السكوت على الحق والسكوت على قلة التقدير مش أدب ولا أصل، وأحياناً لازم تحط حدود صريحة عشان تحافظ على كرامتك، وعلى الحب والصحبة اللي بينك وبين الناس.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



