
وفي رسالة تانية، كتب
لو كل واحدة فضلت خايفة على نفسها، محدش هيقدر يوصل للحقيقة.
منى حطت الموبايل قدامي وبدأت تعيط.
أنا عارفة إني غلطت. وعارفة إني ما استاهلش إنك تسامحيني. بس لازم تعرفي إني لما وافقت أساعده، كنت فاكرة إني بساعد جوزك يحل مشكلة، ما كنتش فاهمة إنه بيبني كدبة كاملة عليكي.
بصيتلها طويلًا.
كنت نفسي أصرخ فيها، وأقولها إنها باعتني عشان وعد بفلوس ومشروع.
لكن الحقيقة إني كنت تعبانة أكتر من إني أصرخ.
قلت لها
إنتِ مش مطالبة تثبتيلي إنك ندمانة بالكلام. إنتِ مطالبة تقولي الحقيقة كاملة، حتى لو الحقيقة دي هتأذيكي.
هزت راسها، ووافقت تدلي بأقوالها.
ما حضنتهاش.
وما قلتلهاش إني سامحتها.
لأن بعض الجروح ما بتتقفلش بمجرد كلمة آسفة.
عدّت أسابيع طويلة، وكل يوم كان بيكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة.
التقارير الطبية ساعدت في توثيق الأعراض اللي كنت بشتكي منها، لكن تحديد سبب فقدان الوعي في كل مرة احتاج تحقيقًا وفحوصات، وما كانش فيه حد يقدر يجزم بكل اللي حصل من غير دليل.
أما التسجيل، فكان دليلًا مهمًا على إن فيه اتفاقات مريبة بين كريم ومحمود، لكنه ما كانش لوحده كفاية للإجابة عن كل سؤال.
وعشان كده، كان لازم كل حاجة تتراجع بدقة.
ومع تقدم التحقيق، اتضح إن فيه بالفعل مستندات اتستخدم فيها توقيعي من غير موافقتي، وإن بعض التحويلات المالية ما كانش ليها تفسير مشروع واضح في الأوراق المقدمة.
وبدأت الإجراءات القانونية تتخذ مسارها.
ما كنتش عايزة انتقامًا على طريقة الأفلام، ولا كنت مستنية حد ينزل من عربية فارهة ويحل كل مشاكلي.
كنت عايزة حقي.
عايزة أعرف مين أذاني، وليه، وإزاي أضمن إن ده ما يتكررش معايا أو مع أي ست تانية.
وبعد فترة، وصلني اتصال من المحامي.
قال إن التحقيقات وصلت لمرحلة مهمة، وإن فيه إجراءات قانونية اتخذت بناءً على الأدلة المتاحة، وإن كريم بقى مضطر يواجه أسئلة ما بقاش قادر يتهرب منها.
في اللحظة دي، ما حسيتش بالفرحة اللي كنت متخيلاها.
حسيت بالحزن.
حزن على السنين اللي عشتها وأنا فاكرة إن بيتي هو المكان الآمن الوحيد في الدنيا.
وحزن على نفسي، لأني كنت ببرر كل تصرف غريب، وبشك في ذاكرتي بدل ما أشك في اللي قدامي.
لكن وسط الحزن ده، كان فيه إحساس جديد.
إحساس إني رجعت أملك قراري.
بعد حوالي أربعة شهور، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، براجع أوراق الطلاق مع المحامي.
الشقة كانت صغيرة، لكنها كانت هادية، وكل حاجة فيها اخترتها بنفسي.
ما كانش فيها صور لكريم، ولا حاجات بتفكرني بالحياة القديمة.
كان فيه بس مكتبة صغيرة، ونباتات على الشباك، وكوباية قهوة على الترابيزة.
رن جرس الباب.
فتحت، ولقيت منى واقفة.
كانت ملامحها متغيرة، وشكلها أهدى من آخر مرة شفتها فيها.
قالت
ينفع أدخل؟
بعد تردد، سمحتلها تدخل.
قعدت قدامي، وحطت ظرفًا على الترابيزة.
دي كل الرسائل اللي لقيتها عندي، ونسخ من الأوراق اللي كنت بعتها لكريم. سلمتهم للمحامي، ودي نسخة ليكي.
بصيت للظرف، وبعدها
بصيتلها.
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها
أنا مش جاية أطلب منك تسامحيني. أنا جاية أقولك إنك كان عندك حق من البداية، وإنّي كان لازم أسمعك بدل ما أسمع كلامه.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين سألتها
لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي إيه؟
ردت من غير تفكير
كنت هسألك إنتِ الأول. كنت هقف جنبك، حتى لو ما كنتش فاهمة كل حاجة.
هزيت راسي.
كان ده كل اللي أنا محتاجاه يا منى.
عيطت، وأنا ما قدرتش أمنع نفسي من الدموع.
ما رجعناش زي الأول في يوم وليلة، وما اختفتش الخيانة من ذاكرتي لمجرد إنها اعترفت.
لكنها بدأت تتحمل مسؤولية اللي عملته، وأنا بدأت أفهم إن التسامح، لو حصل، مش معناه إن كل حاجة ترجع زي زمان.
أحيانًا، معناه إنك تبطل تشيل جواك حمل شخص تاني.
في آخر يوم من إجراءات الطلاق، وقفت قدام باب المكتب، وبصيت للموبايل.
كان فيه تسجيل قديم لسه محتفظة بيه.
التسجيل اللي بدأ كل حاجة.
فتحته للمرة الأخيرة.
سمعت صوت كريم
هي نامت خلاص. هات اللي معاك، بس المرة دي إوعى تسيب أي علامات على جسمها.
قفلت التسجيل.
ما عدتش محتاجة أسمعه عشان أصدق نفسي.
ما عدتش محتاجة صوته يثبتلي إني ما كنتش بتخيل، ولا محتاجة حد يقولي إن إحساسي كان في مكانه.
كنت عارفة الحقيقة اللي تخصني، وعارفة إن استكمال الإجراءات القانونية هو الطريق اللي لازم أمشي فيه.
خرجت من المبنى، والشمس كانت قوية، والشارع مليان ناس رايحة وجاية.
وقفت لحظة، وأخدت نفسًا عميقًا.
تليفوني رن برسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة
إنتِ فاكرة إن كريم كان لوحده؟ اسألي عن اللي حصل قبل جوازك بست شهور.
حسيت ببرودة في أطرافي.
للحظة، رجعت كل المخاوف القديمة.
مين الشخص ده؟
وإيه اللي حصل قبل جوازي بست شهور؟




