
“لو قابلتي الدكتور، اسأليه عن الساعة اللي اتوقفت عند تلاتة وسبعتاشر دقيقة. هو وحده يعرف معناها.”
سكتت أمي.
أدهم مد إيده وأخد الرسالة، وفضل يقرأها مرة واتنين.
وبعدين قال:
“الساعة دي مش مجرد علامة. دي وقت حصلت فيه حاجة.”
فؤاد رد:
“لازم نعرف إيه اللي حصل في الوقت ده.”
أمي بصت لنا وقالت:
“أبوكِ قال لي إن الليلة اللي اتوقفت فيها الساعة، كان فيه اجتماع في القصر. الاجتماع بدأ قبل الفجر، وانتهى قبل ما الشمس تطلع. وبعده، كل حاجة اتغيرت.”
أدهم سألها:
“اجتماع بين مين؟”
أمي ردت:
“والد أدهم، وشريف، ومحمود، والد مريم، والدكتور نادر.”
أدهم رجع خطوة لورا.
“أبويا كان عايش وقت الاجتماع ده؟”
“أيوه.”
“طيب ليه الدكتور نادر قال إن أبويا قبل الاجتماع؟”
أمي سكتت.
وكان سكوتها أخطر من أي إجابة.
أدهم مسك الرسالة، وبعدها قال:
“هنروح للدكتور نادر.”
فؤاد اعترض:
“لو هو متورط، مش هيستقبلك.”
أدهم رد:
“مش لازم يستقبلني. أنا هخليه يتكلم.”
لكن أمي مسكت إيده.
“يا بني، خليك حذر. أبو مريم قال لي إن الدكتور نادر ما كانش بيخاف من شريف. كان بيخاف من شخص تاني.”
أدهم سألها: “مين؟”
أمي بصت ناحية الباب، وبعدها قالت:
“الشخص اللي بعت الورقة الأولى لمريم.”
في صباح اليوم التالي، رجعنا القصر، لكن المرة دي أدهم ما دخلش مكتبه. طلب من رئيس الأمن يراجع كل سجل دخول من عشر سنين، وطلب من فؤاد يجيب نسخة من ملف وفاة والده، وكل المستندات اللي تخص نقل ملكية الأراضي.
أنا كنت قاعدة في المكتبة، براجع الصور القديمة اللي جابها فؤاد من الأرشيف.
وسط الصور، لقيت صورة لأبويا واقف جنب الدكتور نادر، وفي إيديهم ملف بني.
على ضهر الصورة كان فيه تاريخ، وتحت التاريخ مكتوب:
“قبل الاجتماع بيوم واحد.”
قلبت الصورة، ولقيت في الخلفية باب معدني عليه نفس الرقم اللي كان محفور على المفتاح اللي لقيته في ممر الخدمة.
١٧.
جريت لمكتب أدهم.
كان قاعد قدام شاشة الكمبيوتر، وأول ما شافني قال:
“فيه إيه؟”
حطيت الصورة قدامه.
“المخزن رقم سبعتاشر مش مجرد مخزن قديم. أبويا كان هناك قبل الاجتماع بيوم.”
أدهم بص للصورة، وبعدها فتح خريطة للممتلكات القديمة.
ظهر عنوان المبنى في المنطقة الصناعية.
لكن فؤاد، اللي كان واقف جنبه، قال:
“المبنى ده اتباع من خمس سنين.”
أدهم سأله:
“لمين؟”
فؤاد راجع السجلات، وبعدها وشه اتغير.
“لشركة جديدة اسمها النور للتخزين.”
أدهم سأله:
“ومين صاحبها؟”
فؤاد فضل يقرأ البيانات، وبعدها رفع عينه ببطء.
“الدكتور نادر.”
أدهم وقف.
“جهز العربية.”
المبنى كان كبيرًا، بابه الخارجي صدئ، والشبابيك مغطاة بألواح خشب. لكن أول ما دخلنا، لقينا المكان أنضف بكتير من مبنى مهجور.
كان فيه مكتب حديث في الدور الأرضي، وكاميرات جديدة، وآثار عجلات عربية على الأرض.
أدهم طلب من رجاله يفتشوا المكان، بينما فؤاد راح ناحية غرفة الحسابات.
أنا كنت ماشية في الممر، لما سمعت صوت جهاز شغال في أوضة جانبية.
دخلت بحذر.
كان فيه مسجل صوت صغير، وشاشة بتعرض تسجيل قديم لرجلين قاعدين في غرفة.
واحد منهم أبويا.
والتاني الدكتور نادر.
الصوت كان واضح.
أبويا قال:
“أنا مش هوقّع على الورق ده. التوقيع مزور، وإنت عارف.”
الدكتور نادر رد:
“لو ما مضيتش، هتتحط التهمة عليك.”
“خليهم يحطوها. أنا مش هبيع ضميري.”
الدكتور قرب منه وقال:
“إنت مش فاهم. الموضوع أكبر من شريف.”
أبويا سأله:
“أمال مين؟”
الدكتور بص ناحية الباب، وبعدها قال اسمًا واحدًا.
اسمًا خلاني أرجع خطوة لورا من الصدمة.
لأن الاسم ده كان اسم فؤاد.
في اللحظة نفسها، سمعت صوت حركة ورايا.
لفيت.
فؤاد كان واقف عند الباب، وشه جامد، وإيده ماسكة مفتاح صغير.
قال بهدوء:
“ما كانش المفروض تشوفي التسجيل ده.”
حاولت أخرج، لكنه وقف قدامي.
“إنت ليه بتعمل كده؟”
فؤاد تنهد، وكأنه تعب من التمثيل.
“لأن أبوكِ كان السبب في كل اللي حصل.”
هزيت راسي.
“أبويا رفض يزور الورق!”
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة.
“وده اللي خلى كل حاجة تتعقد.”
رجعت لورا، لكنه كمل:
“شريف كان عايز الأراضي، وأنا كنت عايز أحمي الشركة من الانهيار. أبوكِ اكتشف التحويلات، والدكتور نادر ساعدنا نخفي جزء من الحقيقة. لكن محدش كان متوقع إنه يحتفظ بنسخة من العقد.”
قلت بصوت مرتعش:
“إنت اللي بعتلي الورق ؟”
فؤاد أومأ.
“كنت عايزك تخافي وتمشي. لكن لما عرفت إنك نمتي قدام أوضة أدهم، فهمت إن الموضوع خرج عن السيطرة.”
“وكنت هتعمل إيه لو ما مشيتش؟”
فؤاد ما ردش.
مد إيده ناحية الظرف اللي كنت ماسكاه، لكني رجعت بسرعة وصرخت:
“أدهم!”
في اللحظة دي، صوت أدهم جه من آخر الممر:
“ابعد عنها يا فؤاد.”
فؤاد اتجمد.
أدهم كان واقف عند الباب، ومعاه اتنين من رجال الأمن.
“كنت عارف إن فيه حاجة غلط. بس ما كنتش متخيل إنك هتوصل لكده.”
فؤاد رفع إيده ببطء.
“يا أدهم، اسمعني. أنا كنت بحاول أحميك.”
أدهم رد:
“من إيه؟ من الحقيقة؟”
فؤاد قال بسرعة:
“شريف هو اللي بدأ كل ده. هو اللي زوّر العقود، وهو اللي خلّى الدكتور نادر يكتب شهادة الوفاة. أنا دخلت بعد كده، لما لقيت الشركة على وشك الانهيار.”
أدهم قرب منه.
“وأبوكِ؟”
فؤاد بصلي، وبعدها قال:
“محمود كان عنده فرصة ينجو. لكنه رفض يتنازل عن حقه.”
حسيت بغضب عمري ما حسيت بيه قبل كده.
“أبويا كان راجل شريف.”
فؤاد هز راسه.
“أنا ما قلتش غير الحقيقة.”
أدهم أشار للحراس.
“خدوه.”
الحراس مسكوا فؤاد، لكنه قبل ما يخرج، بص لأدهم وقال:
“إنت فاكر إنك كسبت؟ شريف معاه النسخة الأصلية. وأنا مش الوحيد اللي اشتغل معاه.”
أدهم سأله:
“مين كمان؟”
فؤاد ابتسم ابتسامة صغيرة.
“اسأل دياب عن اللي حصل الساعة تلاتة وسبعتاشر دقيقة.”
وبعدها خرج مع الحراس.
رجعنا القصر ومعانا التسجيل، لكن أدهم ما اكتفاش باعتراف فؤاد.
طلب حضور دياب، وواجهه بالتسجيلات والصور.
دياب كان متوترًا، لكن لما سمع اسم الساعة، قعد على الكرسي كأنه فقد قوته.
أدهم سأله:
“إيه اللي حصل الساعة تلاتة وسبعتاشر دقيقة؟”
دياب فضل ساكت.
أدهم حط قدامه صورة الساعة القديمة.
“أبوكِ يا مريم احتفظ بالسر ده سنين. وأنا مش هسيبك تشيلي وزر حاجة ما عملتيهاش. اتكلم.”
دياب غمض عينيه، وبعدها قال:
“الليلة دي، والد أدهم كان لسه عايش. الاجتماع كان في المكتب القديم، وشريف وفؤاد والدكتور نادر كانوا موجودين. محمود دخل عليهم ومعاه المستند الأصلي.”
أنا قربت منه.
“وبعدين؟”
دياب كمل:
“حصلت مشادة كبيرة. محمود قال إنه هيسلم المستندات للجهات المختصة الصبح. شريف حاول يقنعه، وفؤاد عرض عليه فلوس، لكنه رفض.”
أدهم سأله:
“وأبويا؟”
دياب قال:
“والدك وقف مع محمود. قال إن العقد لازم يتراجع، وإن أي حد زوّر توقيعه هيتحاسب.”
أدهم اتنفس ببطء.
“طيب، إزاي ؟”
دياب هز راسه.
“أنا ما كنتش جوه المكتب وقتها. كنت واقف بره. سمعت صوت حاجة وقعت، وبعدها الدكتور نادر خرج وقال إن والدك تعب فجأة. أخدوه للمستشفى، وبعدها أعلنوا وفاته.”
أدهم قال:
“والساعة؟”
دياب رد:
“لما خرجوا من المكتب، الساعة كانت واقفة عند تلاتة وسبعتاشر. حد كسرها وهو بيحاول يشيل المستندات من وراها.”
أنا افتكرت الساعة اللي في بيت أمي.
“يعني الساعة كانت بتخبي حاجة؟”
دياب أومأ.
“أيوه. كان فيه تجويف وراها، محمود حط فيه نسخة من العقد قبل الاجتماع. لكن بعد ما اتنقلت حاجات القصر، النسخة اختفت.”
أدهم سأل:
“مين أخدها؟”
دياب بص للأرض.
“شريف.”
أدهم وقف.
“طيب، ليه كل السنين دي وهو بيدور على مريم؟”
دياب رفع عينه، وقال:
“لأنه ما لاقاش النسخة اللي كان متأكد إنها مع محمود. وكان فاكر إن محمود سلّمها لبنته قبل ما .”
حسيت ببرودة في جسمي.
أدهم بصلي.
“لكن النسخة اللي معانا مش النسخة الأصلية.”
فؤاد كان خد نسخة من الأوراق، لكن الأصل لسه مفقود.
يعني شريف لسه عنده أهم دليل.
وفي اللحظة دي، دخل واحد من رجال الأمن، وسلم أدهم ظرفًا جديدًا.
أدهم فتحه.
جواه كان فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها:
“الليلة دي هتنتهي الحكاية. تعال للمكتب القديم لوحدك، ومعاك مريم.”
وتحت الجملة، كان فيه توقيع واضح:
شريف السيوفي.
أدهم كرمش الورقة في إيده.
لكن قبل ما يتكلم، تليفونه رن.
رد، وسمع صوت شريف:
“أنا عارف إنك وصلت للتسجيل. وعارف إن فؤاد اتقبض عليه. لكن لسه فيه حاجة ما تعرفهاش.”
أدهم قال:
“قول.”
شريف رد:
“والدك ما في المستشفى يا أدهم.”
الصمت نزل على الغرفة.
أدهم قبض على التليفون.
“إنت بتقول إيه؟”
شريف كمل:
“والدك مات قبل ما يوصل المستشفى. والدكتور نادر غيّر وقت الوفاة، عشان يخفي اللي حصل في المكتب.”
أدهم كان واقف من غير حركة.
“مين السبب؟”
شريف سكت لحظة.
وبعدين قال:
“الشخص اللي كان آخر واحد معاه في المكتب.”
أدهم سأله:
“مين؟”
لكن شريف قفل المكالمة.
الليل نزل على القصر، وكل حاجة بقت ساكتة بشكل غريب.
أدهم كان واقف قدام المكتب القديم، وأنا جنبه، وفؤاد تحت حراسة الأمن، ودياب في غرفة منفصلة.
قبل ما ندخل، أدهم بصلي وقال:
“لو حسيتِ إن فيه أي خطر، تخرجي فورًا. مش عايزك تثبتي أي حاجة لحد.”
هزيت راسي، لكني كنت مصممة أعرف النهاية.
دخلنا المكتب.
كان كل شيء فيه قديمًا، من المكتب الخشبي الكبير لحد الساعة المعلقة على الحائط.
الساعة كانت شغالة دلوقتي.
وعقاربها بتتحرك ببطء.
على المكتب، كان فيه الملف الأسود.
وشريف واقف جنبه، لابس بدلة غامقة، ووشه هادي كأنه مستنينا من ساعات.
أدهم وقف قدامه.
“فين النسخة الأصلية؟”
شريف أشار للملف.
“جوا.”
أدهم ما قربش.
“ليه استنيت كل السنين دي؟”
شريف ابتسم.
“لأن الحقيقة مش دايمًا بتكون في صالح اللي بيدور عليها.”
أدهم قال:
“أنا عايز أعرف مين كان آخر واحد مع أبويا.”
شريف بصلي، وبعدها رجع بص لأدهم.
“محمود.”
أنا اتجمدت.
أدهم رد بحدة:
“إنت بتكدب.”
شريف هز راسه.
“محمود كان معاه المستندات. حصل خلاف، ووالدك وقع على الأرض. محمود خرج من المكتب، والدكتور نادر وصل بعده.”
قلت بغضب:
“أبويا ما كانش هيأذي حد!”
شريف بصلي ببرود.
“إنتِ ما تعرفيش أبوكِ كويس.”
أدهم قرب منه.
“كفاية. أنا شوفت التسجيل. محمود كان بيحاول يحمي الشركة.”
شريف ضحك.
“التسجيل اللي عندك ناقص. فيه تسجيل تاني.”
طلع تليفون من جيبه، وشغل مقطع صوتي.
كان صوت والد أدهم واضحًا:
“لو حصل لي حاجة، محمود مسؤول عن الأمانة. ما تسمحوش لأي حد ياخدها.”
وبعدها صوت تاني، صوت محمود:
“أنا مش هسيب الورق ده يضيع.”
التسجيل وقف.
شريف قال:
“والدك سلّم الأمانة لمحمود قبل ما . لكن محمود اختفى بالورق، ورفض يرجعه.”
أدهم رد:
“لأنه كان عارف إنك هتزوّر العقود.”
شريف سكت.
لأول مرة، ملامحه اتغيرت.
أدهم كمل:
“أنا عرفت إنك بعت نسخة من العقد لفؤاد، وإنك كنت بتراقب مريم عشان توصل للنسخة اللي عندها. لكن فيه حاجة لسه ناقصة.”
شريف قال بحدة:
“إيه هي؟”
أدهم قرب منه.
“ليه الدكتور نادر غيّر وقت الوفاة؟”
شريف ما ردش.
وفجأة، صوت جه من الباب:
“لأن والدك كان لسه عايش لما وصل الدكتور.”
كلنا لفينا.
كان الدكتور نادر واقف عند الباب، ومعاه رجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه شاحب.
أدهم بص للرجل، وملامحه اتغيرت.
“حسن؟”
الرجل أومأ.
“أنا آسف يا بني. اتأخرت كتير.”
شريف حاول يتحرك ناحية الملف، لكن رجال الأمن دخلوا من الباب الخلفي وأوقفوه.
حسن قرب من المكتب، وحط ظرفًا قديمًا فوق الملف الأسود.
“دي النسخة الأصلية من العقد، ومعاها تقرير طبي بخط الدكتور نادر، مكتوب فيه وقت وفاة والدك الحقيقي.”
أدهم أخد الورق، وفتح التقرير.
فضل يقرأه في صمت.
وبعدين رفع عينه للدكتور نادر.
“إنت اللي كتبت شهادة الوفاة؟”
الدكتور نادر نزل راسه.
“أيوه.”
“ليه؟”
الدكتور رد بصوت متعب:
“لأن شريف هددني، وقال لي إن لو الحقيقة ظهرت، هيخليني أنا اللي أتحمل كل حاجة. وأنا خفت على عيلتي.”
أدهم قال:
“والدك كان ، وإنت بدل ما تقول الحقيقة، ساعدت في إخفائها.”
الدكتور نادر دموعه نزلت.
“أنا غلطت. وعشت السنين دي كلها بدفع تمن غلطتي.”
حسن كمل:
“لكن فيه حاجة لازم تعرفها يا أدهم. محمود ما كانش آخر واحد مع والدك. أنا كنت موجود.”
أدهم بص له.
“إنت؟”
حسن أومأ.
“أنا دخلت المكتب بعد ما محمود خرج. والدك كان لسه واعي، وطلب مني أجيب له الملف من الساعة القديمة. لكن لما رجعت، لقيته .”
شريف صرخ:
“كفاية كدب!”
حسن لف ناحيته.
“إنت اللي كذبت. إنت اللي غيّرت العقود، وإنت اللي خليت محمود يتحمل التهمة، وإنت اللي كنت بتدور على الأمانة طول السنين دي.”
أدهم سأل حسن:
“طيب، ليه ما اتكلمتش؟”
حسن نزل راسه.
“لأن شريف هدّدني، وقال لي إنه هيأذي بنت محمود. كنت فاكر إن محمود سلّم الورق لبنته، وما كنتش أعرف مكانها. لما عرفت إن مريم اشتغلت في القصر، حاولت أوصل لكم، لكن شريف سبقني.”
بصيت لحسن.
“يعني كل اللي حصل لي كان بسبب الورق؟”
حسن رد بحزن:
“بسبب الورق، وبسبب ناس خافت تخسر سلطتها أكتر ما خافت تخسر ضميرها.”
أدهم فتح الملف الأسود، وبدأ يراجع المستندات واحدًا واحدًا.
كان فيه العقد الأصلي، وتقرير الوفاة، ورسالة من والده، وشهادة مكتوبة بخط محمود، بتأكد إن جزءًا من الأرض كان ملكًا مشتركًا بين العيلتين، وإن أي تغيير في الملكية لازم يتم بموافقة الطرفين.
وفي آخر الملف، كان فيه ورق تاني.
ورقة عليها اسم أمي.
أدهم رفعها، وبصلي.
“مريم، دي شهادة ملكية.”
أخدتها منه، وبدأت أقرأ.
كانت بتثبت إن جزءًا من الأرض اتسجل باسم أمي قبل سنوات طويلة، باعتبارها شريكة في حصة والدتي من تركة أبيها.
ما كنتش فاهمة.
“يعني إيه؟”
فؤاد، اللي كان دخل تحت الحراسة، قال من بعيد:
“يعني والدك ما كانش مجرد موظف. كان شريكًا قانونيًا في جزء من المشروع، ووالدتك ورثت حصته بعد وفاته.”
بصيت لأمي اللي كانت واقفة عند الباب، بعد ما وصل رجال الأمن وجابوها للقصر عشان تكون في أمان.
أمي كانت بتعيط.
“أبوكِ ما كانش عايزكِ تعيشي عمرك بتدوري على حقك. كان عايزكِ تعيشي في أمان.”
حضنتها بقوة.
لكن أدهم كان لسه بيبص للورق، وكأنه بيكتشف إن كل حياته اتبنت فوق أسرار محدش قالها له.
شريف كان واقف تحت حراسة الأمن، لكنه ما استسلمش.
بص لأدهم وقال:
“حتى لو الورق صحيح، إنت مش هتقدر تثبت إن أنا اللي زوّرته.”
أدهم رفع الملف.
“عندي التسجيلات، وعندي اعتراف فؤاد، وعندي شهادة الدكتور نادر، وعندي الشاهد اللي كنت فاكر إنك خلصت منه.”
شريف ابتسم ابتسامة صغيرة.
“والشاهد ده هتصدقه المحكمة؟”
حسن رد:
“أنا مستعد أشهد بكل حاجة. وأسلّم كل المستندات اللي احتفظت بيها.”
أدهم أشار لرجال الأمن.
“خدوه.”
شريف حاول يتكلم، لكن الحراس خرجوا بيه من المكتب.
وقبل ما الباب يتقفل، بصلي وقال:
“أبوكِ ما كانش ملاك يا مريم. وفيه حاجة لسه ما تعرفيهاش عنه.”
كنت هسأله إيه هي، لكنه اختفى في الممر.
فضلت واقفة مكاني، والملف في إيدي، وحاسة إن النهاية قربت، لكن جملة شريف الأخيرة كانت بتلف في دماغي.
أدهم قرب مني.
“ما تسمعيش كلامه. اللي عندنا دلوقتي كفاية عشان نعرف الحقيقة.”
بصيت له.
“طب ليه قال إن فيه حاجة ما أعرفهاش عن أبويا؟”
أدهم ما جاوبش.
لأنه هو نفسه ما كانش يعرف.
بعد أسبوعين، بدأت التحقيقات الرسمية في قضية تزوير العقود واختفاء المستندات. شريف اتواجه بالأدلة، وفؤاد اعترف بتفاصيل التحويلات المالية، والدكتور نادر سلّم سجلاته القديمة، وحسن قدّم شهادته كاملة.
أما دياب، فاعترف ومحاولة إخافتي، واتحمل مسؤوليته عن اللي عمله.
أدهم ما حاولش يخفي أي حاجة عن الجهات المختصة، وطلب إن كل الأوراق تتراجع من البداية، حتى لو ده معناه إن جزءًا من ممتلكات العيلة هيتغير وضعه القانوني.
أمي رجعت بيتها في المنصورة، لكن المرة دي كان فيه حارس بيطمن عليها من بعيد، من غير ما يتدخل في حياتها.
وأنا، بعد ما كنت داخلة القصر بخوف من المرتب اللي محتاجاه، بقيت قاعدة في المكتب القديم قدام أدهم، وبراجع معاه الأوراق اللي تخص نصيب أمي.
قال لي:
“مريم، أنا عارف إن اللي حصل لك هنا ما يتعوضش بسهولة. ولو حبيتي تمشي، حقك. ولو حبيتي تفضلي، مش هترجعي تشتغلي خدامة. هتشتغلي مع المحامي اللي ماسك ملف الأراضي، لحد ما كل حق يرجع لصاحبه.”
بصيت له باستغراب.
“أنا ما درستش قانون.”
أدهم ابتسم ابتسامة بسيطة.
“لكن إنتِ كنتِ أول واحدة لاحظت إن فيه حاجة غلط. وأول واحدة لقت المفتاح، وأول واحدة وصلت للرسالة اللي أبوكِ سابها.”
سكت لحظة، وبعدها أضاف:
“وأنا محتاج حد ما يخافش يسأل عن الحقيقة.”
بصيت ناحية الشباك، وافتكرت أول ليلة نمت فيها على الرخام البارد، وأنا ماسكة عصاية حديد، ومستنية أي حد يقرب من باب أوضتي.
قلت له:
“أنا هفضل، بس مش عشان المرتب.”
أدهم سألني:
“عشان إيه؟”
رفعت عيني له.
“عشان أبويا يستحق إن اسمه يرجع نضيف.”
أدهم أومأ.
“وده هيحصل.”
لكن قبل ما أقوم، دخل فؤاد، بعد ما سمح له المحقق يسلّم آخر ملف متعلق بالقضية.
حط الملف على المكتب، وقال:
“فيه مستند أخير ظهر النهارده في الأرشيف القديم. لازم تشوفوه.”
أدهم فتح الملف.
كان جواه ظرف أبيض، عليه اسم أبي بخط إيده.
فتح أدهم الظرف، وطلع رسالة قصيرة.
قرأها بصوت مسموع:
“إلى ابنتي مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الحقيقة ظهرت، لكن ما تفتكريش إن كل اللي اتقال عن الماضي صحيح. فيه شخص واحد بس كان يعرف ليه والد أدهم اختارني أنا عشان أحفظ الأمانة، والشخص ده هو أمينة.”
رفعت عيني بسرعة.
“أمينة؟”
أدهم قلب الورقة.
كان فيه سطر تاني:
“اسألوها عن اللي حصل في الليلة اللي اتوقفت فيها الساعة، لأنها كانت آخر شخص خرج من المكتب قبل ما يتقفل.”
أدهم وقف من مكانه.
“هاتوا أمينة.”
بعد دقائق، دخلت أمينة المكتب، وشكلها كان متعبًا، لكنها كانت هادية.
أدهم حط الرسالة قدامها.
“إنتِ كنتِ آخر شخص خرج من المكتب ليلة وفاة أبويا؟”
أمينة بصت للورقة، وبعدها أغمضت عينيها.
“أيوه.”
أنا سألتها:
“إنتِ كنتِ عارفة كل ده من الأول؟”
أمينة هزت راسها.
“كنت عارفة جزءًا منه.”
أدهم قال:
“إيه اللي حصل في الليلة دي؟”
أمينة قعدت ببطء، وبدأت تحكي.
قالت إنها دخلت المكتب عشان تجيب الدواء لوالد أدهم، وإنها لقت محمود واقف عند الباب، ماسك الملف الأصلي. كان والد أدهم قاعد على الكرسي، ومتعب جدًا.
محمود قال لها إن لازم حد يحافظ على الأمانة، وإنه لو حصل له أي حاجة، لازم الأوراق توصل لأمهات العيلة وبناتهم، مش للرجال اللي بيتخانقوا على الممتلكات.
وبعدها خرج محمود من المكتب.
أمينة قالت إنها فضلت مع والد أدهم دقائق، ولما سمعته بيكح، جابت له مية، وبعدها خرجت تنادي الدكتور نادر.
ولما رجعت، لقت الساعة واقفة، والملف اختفى.
سألتها:
“مين كان جوه المكتب لما رجعتي؟”
أمينة بصت لأدهم.
“شريف.”
أدهم قال:
“بس شريف قال إن محمود كان آخر واحد.”
أمينة هزت راسها.
“شريف كذب. محمود خرج قبلي، وأنا شفته بعيني. لكن فيه حاجة تانية ما قلتهاش لحد.”
سكتت لحظة، وبعدها بصتلي.
“والدكِ ما كانش بيحمي الورق بس. كان بيحمي حد من العيلة.”
حسيت بقلبي بيقبض.
“مين؟”
أمينة ردت بصوت واطي:
“والدة أدهم.”
أدهم اتجمد.
“أمي؟”
أمينة أومأت.
“كانت تعرف إن والدك ناوي يغيّر الوصية، وإن شريف كان بيحاول ياخد نصيبها من الممتلكات. محمود ساعدها تحفظ حقها، واتفق معاها إن الأوراق تفضل مخفية لحد ما الخطر يزول.”
أدهم سألها:
“أمي كانت تعرف إن شريف زوّر العقود؟”
أمينة ردت:




