
“ما عدتش عشر دقائق.. وكان موبايلي الصغير بيرن برقم عبد التواب!صوته على الناحية التانية كان طالع مرعوب ومخنوق كأنه بيغرق:— “أنتِ مين؟! عاوزة إيه يا بت يا خلود؟!”رديت ببرود ثلجي:— “عارفة إنك أنت اللي شاركت جدتي في جنايتها، وعارفة إنك الشاهد الوحيد. بكرة الصبح ترجع البيت الكبير، وتقول للمحامي ولعمامي إنك سحبت شهادتك وإن التوقيع ده كان تحت التهديد، وتلغي الملحق فوراً.
. وإلا الفلاشة اللي عليها الفيديو الصوتي والصوري هتوصل لنيابة المركز قبل ما الشمس تشرق!”عبد التواب فضلت أنفاسه المتقطعة تتسمع، وبعدها قال برعب:— “الست دي كانت شيطانة! هي اللي ورطتني زمان وهي اللي ورطتني دلوقتي! أنا هاجي بكرة وهعمل اللي أنتِ عاوزاه.. بس الفيديو ده يتمسح!”قلت له: “لما نشوف بعنينا الورق بيتحرق.. الفيديو هيتمسح.”قفلت الخط، وبصيت للبنات اللي كانوا حاضنين بعض والدموع في عينيهم، بس المرة دي دموع أمل. جه نهار اليوم الثاني..شمس الفجر طلعت، وكانت الصالة بره مليانة حركة.
عمي الكبير فتح باب الأوضة بالمفتاح، ودخل وهو شايل الورق وبص لنا بقسوة:— “المحامي بره، والشيخ عبد التواب جه بنفسه.. يلا اطلعوا وقعوا التنازل بالذوق، بدل ما نخليكم توقعوا بالعافية!”خرجنا الأربعة بثبات وقفنا في نص الصالة. المحامي كان قاعد على الترابيزة ومجهز القلم، وجنبه الشيخ عبد التواب اللي كان وشها أصفر زي الميت، وإيده بتمسح العرق من على جبهته بشاش أبيض.
“يا خلود.. عشان خاطري..”قاطعت أبويا وبصيت للشيخ عبد التواب بحدية:— “اتفضل يا شيخ عبد التواب.. قول للناس اللي قاعدة دي، الوصية والملحق دول موقفهم إيه قانوناً وشرعاً؟”عمي الكبير اتنرفز: “أنتِ هتسألي الشيخ يا بت أنتِ؟! وقعي وأنتِ ساكتة!”بس قبل ما عمي يكمل كلمته، الشيخ عبد التواب وقف فجأة، وصوته كان بيترعش وهو بيبص للمحامي ولعمامي:— “أنا.
. أنا باعلن انسحابي وسحب شهادتي وتوقيعي من الملحق رقم (٢) ومن عقد التنازل كله!”الصالة اتزلزلت! عمامي الاتنين وقفوا بذهول وصراخ:— “يعني إيه يا شيخ عبد التواب؟! أنت جنيت؟! أنت اللي موقع معنا من أسبوعين!”عبد التواب أخد نفس مكسور وقال بصوت واطي:— “التوقيع ده باطل.. المرحومة أجبرتني عليه، وأنا ما أقدرش أشهد زور ولا أظلم أربع بنات يتامى. العقد ده ملغي بشهادتي، ولو اتعرض على المحكمة هاعترف إن المرحومة ما كانتش في كامل قواها العقلية لما كتبته!
“المحامي لم الورق بسرعة ووقف بصدمة:— “طالما الشاهد الوحيد سحب شهادته وأقر ببطلان الأهلية، العقد والملحق يعتبروا كان لم يكن قانوناً، والأرض والبيت يرجعوا لإرث العائلة الشرعي!”المحامي مشي بسرعة، وعبد التواب جرى بره البيت كأن ملك الموت بيلحقه. عمامي وقفوا مصدومين، مش فاهمين إيه اللي حصل ولا ازاي الشيخ عبد التواب اتغير كده في لحظة!
عملتي إيه يا خلود؟!”قبل ما أرد على أبويا.. سمعنا صوت خبط شديد ومرعب على الباب الخارجي للبيت!خبط مش خبط ناس عادية.. ده كان خبط بآلات حادة وصوت ناس كتير زعيقهم جيب آخر الشارع!عمي الصغير جرى فتح الشباك اللي يطل على الشارع، وشها ابيض من الرعب وصرخ:— “الحقنا يا خويا! رجال عيلة ‘الشريف’ ومحامينهم محاصرين البيت بره.. ومعاهم شرطة تنفيذ الأحكام!
عيلة الشريف؟! عاوزين إيه مننا في وقت زي ده?!”خرجنا كلنا للحوش، والضابط دخل ومعه ورقة رسمية حمرا عليه أختام النسر، وبص لعمي الكبير ولنا وقال بصوت حاسم:— “مين المسؤول هنا؟ المرحومة حليمة ماتت؟”عمي الكبير قال برعب: “أيوه يا فندم.. ماتت أمس.”الضابط هز رأسه وطلع ملف ثاني خالص غير اللي كان مع المحامي الأولاني، وقال نبرة صدمت الجميع:— “المرحومة قبل ما تموت بشهر.. كانت بايعة الأرض والبيت بعقد ابتدائى ومستلمة العربون من كبار عيلة الشريف، والنهاردة جايين ينفذوا شرط جزائي يخليكم تسلموا البيت والأرض فوراً أو تدفعوا شرط جزائي يكسر ظهر العيلة كلها.
. والمفاجأة إن العقد ده موثق بتوقيعكم أنتم التلاتة يا رجالة العيلة بصفتكم ضامنين!”بصيت لعمامي اللي وشهم بقى زي جثث الموتى.. جدتي ما كانتش بتلعب علينا إحنا بس.. دي كانت جارة أولادها ورجاليتها معاها للغرق المالي والجنائي قبل ما تسيب الدنيا!الشرطة واقفة في الحوش، والورقة الحمرا بختم النسر بتلمع تحت شمس النهار. عمي الكبير وعمي الصغير كانوا واقفين زي التماثيل، وشهم اتقلب لقطعة من الثلج، وعينيهم رايحة جاية بين الضابط وبين أبويا اللي رجليه ما بقتش شايلة جسمه. الضابط بصلهم بصرامة وقال:— “الورق صريح يا حاج.
. المرحومة حليمة استلمت عربون اتنين مليون جنيه كاش من عيلة الشريف، والشرط الجزائي أربعة مليون يدفعوا فوراً أو يتم التحفظ على الأرض والبيت والتنفيذ بالتمكين! والتوقيعات اللي تحت بصفتكم ضامنين موثقة بصمة وصوت وصورة!”عمي الصغير صرخ بصوت جنوني وهو بيمسك في ياقة الضابط:— “توقيع إيه وبصمة إيه؟! إحنا ما مضيناش على حاجة! الست دي كانت بتخلينا نبصم على أوراق المحاصيل والمواشي من غير ما نقرأ! كانت بتقولنا دي أوراق الجمعية الزراعية! هي عملت فينا كده؟! شربتنا المُر وهي عايشة وتغرقنا في الديون بعد ما ماتت?!




