عام

اختي ارمله حكايات روماني مكرم 3 والاخير

أما إياد.. فكان متعلق بيا بشكل طبيعي، وكان بيجري عليا أول ما أدخل من الباب ويقولي “بابا”، وكانت الكلمة دي بتطيرني في السما وتخليني أحس إن ربنا رزقني بيه.

في يوم، كنت راجع من الشغل بدري شوية، وكنت جايب معايا هدايا ليارا ولإياد. فتحت الباب بالمفتاح وبالمصادفة، سمعت يارا بتتكلم في التليفون في الصالون بصوت واطي ومشدود.

وقفت عند الباب بالراحة، وسمعتها بتقول بنبرة فيها خوف وتوتر:
— “أنت عايز إيه تاني؟ حرام عليك سيبنا في حالنا! أنا اتجوزت وراعية بيتي وجوزي بيموت فيا وفي ابنك! أنت مالكش حاجة عندنا!”

سمعت الصوت جاي من السماعة، كان صوت سامح! بس المرة دي مكانش بيزعق أو بيهدد، كان صوته مكسور وبيعيط بانهيار:
— “يا يارا افهميني.. أنا أتدمرت! المحل بتاعي اتفلس واتحجز عليه، والناس اللي كنت داخل معاهم مشاريع نصبوا عليا وأخدوا فلوسي! أنا بقيت في الشارع ومش حيلتي اللقمة! أنا عارف إني ظلمتك، بس وحياة إياد سامحيني وخلي جوزك يساعدني بحل أرجع بيه أعيش!”

يارا كانت سكتة ومش عارفة تقول إيه، الصدمة كانت شاها.

دخلت الصالة بخطوات هادية، يارا أول ما شافتني اتخضت وقعدت تبصلي برعب وهي ماسكة التليفون. قربت منها بالراحة، ومديت إيدي وأخدت التليفون منها حطيته على السبيكر، وقلت بصوت هادي وحاسم:
— “أهلاً يا سامح..”

ساد الصمت على الناحية التانية من الخط للحظات، وكان كل اللي مسموع هو صوت أنفاس سامح.

أخدت نفس عميق، وبصيت ليارا اللي كانت واقفة جنب الكنبة، إيديها بترتجف ودموع التوتر متجمعة في عينيها. مسكت إيدها بالراحة، وضغطت عليها عشان أطمنها وأوصلها إحساس إنها في حمايا.

خرج صوت سامح من السماعة، وكان صوت إنسان مهدوم، أكلته الأيام:
— “أهلاً يا… أنا.. أنا مش بتصل أعمل مشاكل.. أنا اتزنقت زنقة الموت.. الدنيا دارت عليا وأخدت مني كل حاجة في لحظة. الديون ركبتني، والناس اللي استأمنتهم ونصبوا عليا أخدوا شقا عمري كله. أنا بقيت في وضع صعب يا… مش لاقي حق اللقمة ولا حق العلاج!”

سكت سامح ثواني، وكمل بنبرة كلها ذل ورجاء:
— “أنا عارف إني ظلمت يارا، وعارف إني غدرت بأختك عبير، وعارف إن ماليش عين أبص في وشكم.. بس وحياة ابنك إياد.. قل ليارا تسامحني! أنا ربك عقابني، ورجعت زيرو، لا حيلتي بيت ولا سند!”

كنت بستمِع له وفي قلبي مشاعر متضاربة.. خليط من الشفقة على حاله، وبين الغضب لما افتكرت حرقة قلب يارا وكسرة أختي عبير. بس الأخلاق اللي تربيت عليها ما يسمحوليش أشمت في المحتاج، حتى لو كان خصمي.

بصيت للتليفون وقلت له بصوت هادي، بس مليان ثبات ووقار:
— “شفت يا سامح؟ شفت إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب؟ أنت زمان لما ركبت موجة غرورك، فاكر إن الحال هيدومولك العمر كله، ونسيت إن ربنا يمهل ولا يهمل. أنت خربت بيت ست عفيفة، ودخلت بيت أهلي بطمع.. أهو الإنسان بيشوف عاقبة أفعاله.”

سامح انهار في البكاء أكتر وقال بصوت مبحوح:
— “عارف.. والله عارف إني كنت غلطان! والضربات اللي أكلتها كانت حسسني بثمن كل دمعة نزلت من عين يارا أو عبير. أنا مش طالب منكم فلوس، أنا بس أخدت جزائي، ومحتاج يارا تقول لي ‘سامحتك’ عشان ربنا يخفف عني الضيق اللي أنا فيه، وعشان أعرف أقف على رجلي تاني.”

يارا كانت واقفة بتسمع، والدموع نازلة على خدودها بالراحة. يارا مكانتش بتعيط حزناً عليه، كانت بتعيط من هول المشهد.. إنسان كان في يوم من الأيام شايف نفسه فوق الكل، ودلوقتي بيترجاها عشان كلمة مسامحة.

قربت من يارا وهزيت رأسي ليها بالراحة، وسألتها بصوت واطي:
— “تقولي له إيه يا يارا؟”

يارا أخدت نفس عميق، ومسحت دموعها بإيدها، وأخدت التليفون مني، وقالت بصوت نقي، ثقيل، ونابع من قلب أبيض:
— “أنا مسامحاك يا سامح.. مسامحاك لوجه الله تعالى، مش عشانك، لكن عشان إياد ابننا لما يكبر ما يشوفش إن أمه عاشت بقلب مليان غل أو كره. ربنا يهديك، ويصلح حالك، ويعوضك ويفك كربك بعيد عنا وعن حياتنا.”

سامح سكت لحظة، وكأن الكلمة نزلت على قلبه، وقال بصوت خافت يترجف:
— “كتر خيرك يا يارا.. كتر خيرك يا بنت الأصول. ربنا يسعدك مع الراجل اللي يستاهلك وبجد يصونك.. وسلميلي على إياد.”

قفلت يارا الخط، وحطت التليفون على الترابيزة. حست إن في حمل كبير اتنزع من فوق صدرها. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية، وقالت:
— “أنا كدة حاسة إني أخدت حقي وزيادة يا… ربنا أظهر عدله في الدنيا قبل الآخرة.”

حضنتها وقلت لها:
— “العفو عند المقدرة من صفات الكبار يا يارا.. وأنتِ كبرتِ في عيني أكتر وأكتر.”

مرت الأيام بعد المكالمة دي، والحياة بقت أهدى وأجمل بكتير. عبير أختي كملت حياتها، وبدأت تهتم بنفسها وبشغلها، والعيلة كلها كانت متجمعة وفي ألفة ومحبة.

وفي يوم، كنا قاعدين كلنا في بيت أبويا، عبير وأبويا ويارا وإياد وأنا، بنضحك ونفتكر أيام زمان ونخطط للمستقبل.

فجأة، يارا مسكت بطنها بوجع خفيف، ووشها تغير. أبويا بص لها بقلق، وعبير قامت جرت عليها:
— “مالك يا يارا؟ في إيه يا حبيبتي؟”

يارا بصتلي بعيون تبرق بالفرحة والخجل، وطلعت من شنطتها ورقة تحليل طبية كانت مبيناهم من الصبح ومستنية المناسبة عشان تقولها لي..

مدت إيدها بالورقة، وقالت بصوت يرتجف من السعادة:
— “إياد.. هيبقى عنده أخ أو أخت قريب يا… أنا حامل!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى