روايات وقصص

العربيه غرقت تقريبا

الذهول كان سيد الموقف لما ياسين خرج من المخبز وهو بيفكر في الصورة اللي شافها على شاشة التلفزيون. مريم العزمي.. الاسم اللي كل مصر تعرفه، صاحبة أكبر سلسلة فنادق ومنتجعات سياحية. البنت اللي كانت قاعدة عنده في البيت بلابسة سويت شيرت واسع، وبتساعده ينشف ورق الحاجة فاطمة وبترتب المسامير لما تتوتر!
ساعات قليلة عدت، والشمس بدأت تغيب..
ياسين كان قاعد في ورشته الصغيرة بين ريحة الخشب والدهان، بيلم عدته وعينه على العلبة الخشبية التانية اللي مريم نسيت تاخدها.
وفجأة.. صوت موتور عربية فخمة

جداً وقفت قدام البيت. الصوت كان ناعم وهادي، عكس صوت العربيات اللي بتعدي عادة في الشارع البسيط ده.
خرج ياسين يبص من باب الورشة.
كانت عربية مرسيدس سوداء أحدث موديل. اتفتح الباب الخلفي، ونزل منها راجل في الخمسينات من عمره، هيبته واضحة، لابس بدلة كلاسيكية أنيقة جداً، وعينيه فيها حزم شديد وملامح حادة تشبه مريم لحد كبير.
قفل الباب وراه، ومشي بثبات لحد باب الورشة، وبص لياسين وقال بنبرة هادية بس مليانة سلطة
أنت ياسين؟
ياسين مسح إيده في الفوطة، وبص له بثبات ورد بنفس الهدوء
أيوه أنا.. أهلا بحضرتك. مين معايا؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة ومد إيده يسلم عليه
أنا حمزة العزمي.. والد مريم.
اللحظة دي كانت كفيلة تخلي أي حد يتوتر، بس ياسين سلم عليه ببساطة وقال
أهلاً يا حمزة بيه.. اتفضل أدخل الورشة، أو ندخل البيت لو تحب.
حمزة بص للورشة، للقطع الخشبية القديمة، للأدوات، وللجو البسيط اللي مليان دفا وراحة. هز رأسه وقال
لا، الورشة هنا جميلة جداً.. حابب أقعد هنا.
سحب حمزة بيه كرسي خشب قديم، وقعد عليه ببراعة من غير ما يهتم بأي تراب، وبص لياسين مباشرة
أنا جاي هنا بصفة شخصية جداً.. مش بصفة رجل أعمال. مريم رجعت البيت من يومين.. طريقة كلامها، تعاملها، وحتى نظرتها للحياة اتغيرت. بقالها سنتين بتشتغل 18 ساعة في اليوم، وشها كان دايماً شاحب ومشغولة بالصفقات والمشاكل.. بس لما رجعت، كانت بتضحك، وكانت بتكلمني عن ورشة خشب، وعن الحاجة فاطمة، وعن راجل سحبها من المية من غير ما يسألها هي مين ولا بتشتغل إيه.
ياسين ابتسم ورد وهو بيبص للخشب اللي قدامه
أي حد مكان كان هيعمل كده يا حمزة بيه.. المية كانت بتعلى، وكان لازم تتلحق. مريم إنسانة جميلة وطيبة، وتستاهل كل خير.
حمزة العزمي أخد نفس عميق، وطلع من جيب بدلتة ظرف بني تقيل، وحطه على الترابيزة الخشب بينه وبين ياسين.
ياسين بص للظرف واستغرب
إيه ده؟
حمزة بيه قال بهدوء
ده شيك بالمبلغ اللي تشوفه مناسب لإنقاذ حياة بنتي.. أو استثمار كامل لتكبير الورشة دي وتحويلها لشركة كبيرة لترميم وتصميم الأثاث، والمجموعة عندنا متكفلة بكل حاجة.
ياسين بص للظرف ثواني، وبعدين رفع عينه لحمزة بيه.. وبسرعة ومن غير تردد، مسك الظرف وزقه لحيّة حمزة بيه تاني
حضرتك جاي تشكرني، ولا جاي تشتري اللحظة اللي بنتك حسّت فيها إنها بني آدمة مش مجرد رقم في شركة؟
حمزة اتفاجأ من رد ياسين المباشر ونبرته القوية.
ياسين كمل وهو بينضف النظارة بتاعته
أنا لما انقذت مريم، ما كنتش اعرف هي مين ولا معاها كام. أنا انقذت إنسانة كانت محتاجة مساعدة.. وأيامها هنا كانت مقبولة لأنها كانت حقيقية. الشيك ده لو أخدته، هبقى بمسح كل لحظة حلوة مريم عاشتها هنا، وهحول الجدعنة والشهامة لبيعة وشروة.. وأنا خشب بيتي مش للبيع يا حمزة بيه.
قاعة الورشة سادتها لحظة صمت طويلة..
حمزة العزمي فضل باصص لياسين بتركيز شديد، الملامح الحادة اللي كانت على وشه بدأت تتفكك بالتدريج، ولأول مرة ابتسامة حقيقية ظهرت على وشه.. سحب الظرف ورجعه جيبه تاني، وقال
كنت متأكد إنك هتقول كده.. مريم كانت صح لما قالتلي إنك راجل عندك عزة نفس ما أتقابلتش مع أصحابها في عالم الأعمال بتاعنا.
وفجأة.. اتفتح باب الورشة، ودخلت مريم!
كانت لابسة فستان بسيط، وعينيها بتلمع بالفرحة لما شافت ياسين. بصت لأبوها وقالت
بابا! أنت جيت هنا قبلي؟
حمزة وقف وابتسم لبنته
أنا كنت جاي أطمن بنفسي على الراجل اللي بنتي ما بطلتش كلام عنه من يوم ما رجعت.. وأعتقد إني فهمت ليه.
بص حمزة لياسين وقال بجدية
ياسين.. احنا عندنا مشروع تجديد القصر التاريخي للمجموعة في الأقصر، ومحتاجين فنان حقيقي يرمم الأثاث والمشربيات القديمة اللي فيه بنفس الروح اللي أنت شغال بيها هنا.. العقد ده شغل رسمي، بعيد عن أي مجاملات أو هدايا.. إيه رأيك؟
ياسين بص لمريم، اللي كانت بتبص له بأمل ورجاء إن يوافق، وبعدين بص لحمزة بيه وهز رأسه بابتسامة
الشغل اللي فيه فن وروح، أنا دايماً جاهز ليه يا حمزة بيه.. يشرفني.
حمزة سلم على ياسين بحرارة، واستأذن وسابهم في الورشة عشان يتيح ليهم الفرصة يتكلموا.
مريم قربت من ياسين بخطوات هادية، ومسكت العلبة الخشبية اللي كان بيصلحها وقالت بابتسامة دافية
نسيت أخد رقمك.. ونسيت أقولك شكراً على كل حاجة.
ياسين ابتسم وهو بيبص لها بحب واضح
ولا يهمك.. المهم إنك بخير، وإن المطر كان سبب إننا نلتقي.
ومرت الأيام والشهور..
ياسين بدأ يشتغل على مشروع الأقصر، ولمساته الفنية بدأت تبهر الكل. ومع كل يوم بيعدي، كان القرب بينه وبين مريم بيزيد.. هي تعلمت منه البساطة والهدوء وإزاي تعيش اللحظة، وهو اتعلم منها الشغف والإصرار.
وبعد سنة كاملة من ليلة المطر والتغريق..
في نفس القصر التاريخي في الأقصر، وبعد ما انتهى ترميمه بالكامل وجاء يوم الافتتاح..
وقف ياسين وهو لابس بدلة أنيقة جداً، ومسك إيد مريم قدام والدها وكل رجال الأعمال والإعلاميين.. وطلب إيدها رسمياً وسط فرحة وصوت صفق هز القصر.
مريم بصت لياسين ودموع الفرحة في عينيها وقالت له
عارف يا ياسين.. ليلة المطر دي، العربية ما غرقش.. العربية كانت بتنقذني عشان ألاقيك.
وياسين ضم إيدها وقال
وأنا المطر كان أصدق قدر جالي في حياتي كلها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى